الأحد، 9 يونيو 2013

سلسلة قراءات فى تاريخ الاسلام والمسلمين- دعوة عيسى إلى التوحيد

دعوة عيسى إلى التوحيد:
تذكر سورة آل عمران التوحيد، وتورد قصة عيسى وما جاء مكملًا لها لتؤكده، وتنفي فكرة الولد والشريك وتبسط مولد كل من مريم وعيسى بطريقة لا تدع مجالًا لأية شبهة في بشرية عيسى الكاملة، وأنه واحد من الرسل شأنه كشأنهم -عليهم السلام، وتفسر الخوارق التي صاحبت ولادته تفسيرًا يريح القلب والعقل، وعيسى يقرر حقيقة الرسالة، وأنها تأتي لتقرير منهج وتنفيذ نظام وبيان الحلال والحرام، والسورة تصور حال المؤمنين مع ربهم كما هو في سيرة نخبة مختارة من البشر اختارها الله وجعلها ذرية بعضها من بعض، قدوة في الصلاح والتقوى، وأسوة في الطهر والنقاء والتحمل في سبيل الحق والإصرار عليه حتى آخر رمق من الحياة، فحديث امرأة عمران ومناجاتها لربها، وحديث مريم مع زكريا ودعاؤه ربه، ورد الحواريين على عيسى ، ودعاؤهم ربهم كل ذلك يعطي صورة واضحة لما ينبغي أن يكون عليه حال المؤمنين مع الله سبحانه .
وبمقارنة ما عرضته سورة آل عمران من قصة عيسى بما عرضته سورة مريم تظهر زيادة بعض الحلقات، ونقصان بعض آخر حسب اقتضاء السياق في كل منهما؛ فقد طولت سورة مريم في حلقة مولد عيسى ، ولم تذكر حلقة مولد أمه مريم من امرأة عمران ولا ما قالته في حال الحمل أو بعد الميلاد، وفصلت سورة آل عمران موقف عيسى مع الحواريين، وحوارهم معه، وجاءت بتعقيب شمل التوحيد والدين والوحي والرسالة.
وفي ذلك الرد على النصارى وتصحيح أخطائهم بذكر قصة عيسى على حقيقتها، واصطفاء الله عزوجل لأمه وأجداده الأولين من آدم إلى نوح إلى إبراهيم إلى آل عمران -عليهم السلام، وذكر ما كان من أمر الله مع أم مريم، وكفالة زكريا لها، وقد اصطفاها الله على نساء العالمين وطهرها وبشرتها الملائكة بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم، وإذا كان الله عزوجل قد زود المسيح عيسى ابن مريم بآيات، فكان يخلق من الطين كهيئة الطير فيكون طيرًا بإذن الله، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، فإنه كان في كل ذلك كبقية الرسل الذين أمدهم الله بالمعجزات؛ لتؤدي غايتها وتحقق هدفها من الدلالة على صدقهم، وإقناع أقوامهم بأنهم رسل الله -عليهم السلام، ومع ذلك فإن أمر بني إسرائيل معه كان مشابهًا لموقفهم ممن سبقه من الرسل الكرام -عليهم السلام، حتى أرادوا قتله وصلبه فرفعه الله إليه.
وعيسى بلغ قومه دعوة الله، وركز على التوحيد وأقام عليه الأدلة، وكانت ولادته بنفخة من روح الله بلا واسطة، وتضمنت بشارة الملائكة به أمه مريم نوعه وصفته واسمه ونسبه ومكانته من ربه، وعلمه التوراة والإنجيل والحكمة؛ ليجدد روح الدين التي طمست في بني إسرائيل؛ وليهذب ضمير الإنسان بوصله مباشرة بالله. 
ومع الدعوة إلى التوحيد جاء بعظات ونصائح وحكم وأمثال، وتوجيه نظر قومه إلى الإخلاص لله، والتخفف من الماديات التي غرقوا فيها إلى الأذقان، وأن يلتزموا بروح الدين الذي جاءهم به من قبله موسى. وحاول تخليصهم من إسار الكهنة الذين يتخذون الشريعة سبيلًا لإشباع جشعهم، ويحرفون كلمات الدين عن مواضعها لإشباع شهواتهم، حتى صاروا في ذلك مضرب الأمثال، وأصبح ذكرهم مقترنًا بأكل الربا وأخذ الرشا وقتل الأنبياء.
و الخوارق التي تشتمل على إنشاء الحياة أو ردها أو رد العافية، أو رؤية غيب بعيد عن مدى الرؤية تتفق مع مولد عيسى ، ومنحه الوجود والحياة، وتؤكد الإعجاز الذي صاحب ذلك المولد الفريد، إلا أنها لا تمنحه صفة فوق صفة الإنسان الذي يدعو إلى توحيد الله وعبادته دون سواه.
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=41600

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق