إِنْ وَرَدَ مَا ظَاهِرُهُ ذَلِكَ صُرِفَ إِلَى الْمُخَاطَبِ
- قَالَ: فَإِنْ وَرَدَ مَا ظَاهِرُهُ ذَلِكَ صُرِفَ إِلَى الْمُخَاطَبِ كَقَوْلِهِ: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} أَيْ: هَؤُلَاءِ يَجِبُ أَنْ يُتَعَجَّبَ مِنْهُمْ وَقِيلَ: بالجواز لقوله: {فما أصبرهم على النار} إِنْ قُلْنَا: "مَا" تَعَجُّبِيَّةٌ لَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ وَقَوْلُهُ: {بل عجبت} فِي قِرَاءَةِ بَعْضِهِمْ بِالضَّمِّ
وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ وَمَا وَقَعَ مِنْهُ أُوِّلَ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمُخَاطَبِ أَيْ: عَلِمْتُ أَسْبَابَ مَا يَتَعَجَّبُ مِنْهُ الْعِبَادَ فَسَمَّى الْعِلْمَ بِالْعَجَبِ عَجَبًا
وَأَصْلُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَلْتَفُّ عَلَى خِلَافٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ حَقِيقَةَ التَّعَجُّبِ هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ خَفَاءُ سَبَبِهِ فيتحيز فيه المتعجب منه أولا؟
وَلَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ صِيغَةُ التَّعَجُّبِ إِلَّا قوله: {فما أصبرهم على النار} وقوله: {قتل الإنسان ما أكفره} و {يا أيها الإنسان ما أغرك} فِي قِرَاءَةِ مَنْ زَادَ الْهَمْزَةَ
ثُمَّ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: التَّعَجُّبُ مَصْرُوفٌ إِلَى الْمُخَاطَبِ وَلِهَذَا تَلَطَّفَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّعَجُّبِ وَمَجِيءُ التَّعَجُّبِ مِنَ اللَّهِ كَمَجِيءِ الدُّعَاءِ مِنْهُ وَالتَّرَجِّي وَإِنَّمَا هَذَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَا تَفْهَمُهُ الْعَرَبُ أَيْ هَؤُلَاءِ عِنْدَكُمْ مِمَّنْ يَجِبُ أَنْ تَقُولُوا لَهُمْ هَذِهِ وَكَذَلِكَ تَفْسِيرُ سِيبَوَيْهِ
قوله تعالى: {لعله يتذكر أو يخشى} قَالَ: الْمَعْنَى: اذْهَبَا عَلَى رَجَائِكُمَا وَطَمَعِكُمَا قَالَ ابْنُ الضَّائِعِ: وَهُوَ حَسَنٌ جِدًّا
قُلْتُ: وَذَكَرَ سِيبَوَيْهِ أَيْضًا قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} {ويل للمطففين} فَقَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ تَقُولَ إِنَّهُ دُعَاءٌ ها هنا لأن الكلام بذلك واللفظ به قَبِيحٌ وَلَكِنَّ الْعِبَادَ إِنَّمَا كُلِّمُوا بِكَلَامِهِمْ وَجَاءَ الْقُرْآنُ عَلَى لُغَتِهِمْ وَعَلَى مَا يَعْنُونَ فَكَأَنَّهُ -والله أعلم- قيل لهم: {ويل للمطففين} و {ويل يومئذ للمكذبين} أَيْ: هَؤُلَاءِ مِمَّنْ وَجَبَ هَذَا الْقَوْلُ لَهُمْ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ إِنَّمَا يُقَالُ لِصَاحِبِ الشَّرِّ وَالْهَلَكَةِ فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ مِمَّنْ دَخَلَ فِي الْهَلَكَةِ وَوَجَبَ لَهُمْ هَذَا انْتَهَى
وَمِنْهَا: الْأَمْرُ كَقَوْلِهِ تعالى: {والمطلقات يتربصن} {الوالدات يرضعن} فَإِنَّ السِّيَاقَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِذَلِكَ لَا أَنَّهُ خَبَرٌ وَإِلَّا لَزِمَ الْخُلْفُ فِي الْخَبَرِ وَسَبَقَ فِي الْمَجَازِ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق