أَحدهمَا أَن يصير هَيْئَة راسخة وَصفَة
لَازِمَة لَهُ الثَّانِي أَن يكون صفة كَمَال فِي نَفسه فَإِذا لم يكن كَذَلِك لم يكن كمالافلا يَلِيق بِمن يسْعَى فِي كَمَال نَفسه المنافسة عَلَيْهِ وَلَا الأسف على فَوته وَذَلِكَ لَيْسَ إِلَّا معرفَة بارئها وفاطرها ومعبودها والهها لحق الَّذِي لَا صَلَاح لَهَا وَلَا نعيم وَلَا لَذَّة إِلَّا بمعرفته وَإِرَادَة وَجهه وسلوك الطَّرِيق الموصلة إِلَيْهِ وَإِلَى رِضَاهُ وكرامته وَأَن تعتاد ذَلِك فَيصير لَهَا هَيْئَة راسخة لَازِمَة وَمَا عدا ذَلِك من الْعُلُوم والإرادات والأعمال فَهِيَ بَين مَالا ينفعها وَلَا يكملها وَمَا يعود بضررها ونقصها وألمها وَلَا سِيمَا إِذا صَار هَيْئَة راسخة لَهَا فَإِنَّهَا تعذب وتتألم بِهِ بِحَسب لُزُومه لَهَا وَأما الْفَضَائِل الْمُنْفَصِلَة عَنْهَا كالملابس والمراكب والمساكن والجاه وَالْمَال فَتلك فِي الْحَقِيقَة عوار أعيرتها مُدَّة ثمَّ يرجع فِيهَا الْمُعير فتتألم وتتعذب بِرُجُوعِهِ فِيهَا بِحَسب تعلقهَا بهَا وَلَا سِيمَا إِذا كَانَت هِيَ غَايَة كمالها فَإِذا سلبتها أحضرت أعظم النَّقْص والألم وَالْحَسْرَة فليتدبر من يُرِيد سَعَادَة نَفسه ولذتها هَذِه النُّكْتَة فَأكْثر هَذَا الْخلق إِنَّمَا يسعون فِي حرمَان نُفُوسهم وألمها وحسرتها ونقصها من حَيْثُ يظنون أَنهم يُرِيدُونَ سعادتها وَنَعِيمهَا فلذتها بِحَسب مَا حصل لَهَا من تِلْكَ الْمعرفَة والمحبة والسلوك وألمها وحسرتها بِحَسب مَا فاتها من ذَلِك وَمَتى عدم ذَلِك وخلا مِنْهُ لم يبْق فِيهِ إِلَّا القوى الْبَدَنِيَّة النفسانية الَّتِي بهَا يَأْكُل وَيشْرب وينكح ويغضب وينال سَائِر لذاته ومرافق حَيَاته وَلَا يلْحقهُ من جِهَتهَا شرف وَلَا فَضِيلَة بل خساسة ومنقصة إِذْ كَانَ إِنَّمَا يُنَاسب بِتِلْكَ القوى الْبَهَائِم ويتصل بجنسها وَيدخل فِي جُمْلَتهَا وَيصير كأحدها وَرُبمَا زَادَت فِي تنَاولهَا عَلَيْهِ واختصت دونه بسلامة عَافِيَتهَا والأمن من جلب الضَّرَر عَلَيْهَا فكمالٌ تشاركك فِيهِ الْبَهَائِم وتزيد عَلَيْك وتختص عَنْك فِيهِ بسلامة الْعَاقِبَة حقيق أَن تهجره إِلَى الْكَمَال الْحَقِيقِيّ الَّذِي لَا كَمَال سواهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27738
صفاءُ النفسِ بصفاءِ الثوبِ، وهنا أمرٌ لطيفٌ وشيءٌ شريف، وهو أنَّ بعض الحكماءِ يقولُ: منِ اتسخ ثوبُه، تكدَّرتْ نفسُه. وهذا أمرٌ ظاهرٌ.
وكثيرٌ من الناسِ يأتيهِ الكَدَرُ بسببِ اتساخ ثوْبِهِ، أو تغيُّرِ هِندامِهِ، أو عدمِ ترتيبِ مكتبتِهِ، أو اختلاطِ الأوراقِ عنده، أو اضطرابِ مواعيدِه وبرنامِجِه اليوميِّ، والكونُ بُني على النظامِ، فمنْ عَرَفَ حقيقة هذا الدِّينِ، علم أنه جاء لتنظيمِ حياةِ العبدِ، قليلِها وكثيرِها، صغيرِها وجليلِها، وكلُّ شيءٍ عنده بحُسْبانٍ {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} . وفي حديثٍ عند الترمذيِّ: ((إنَّ الله نظيفٌ يحبُّ النظافة)) .
وعند مسلمٍ في الصحيحِ: ((إنَّ الله جميلٌ يحبُّ الجمال)) .
وفي حديثٍ حسنٍ: ((تجمَّلُوا حتى تكونوا كأنكمْ شامةٌ في عيونِ الناسِ)) .يمشون في الحُللِ المضاعفِ نسْجُها ... مشي الجمالِ إلى الجِمالِ البُزَّلِ
وأولُ الجمالِ: الاهتمامُ بالغسلِ. وعند البخاري: ((حقٌّ على المسلمِ أنْ يغتسل في كلِّ سبعةِ أيامٍ يوماً، يغسلُ فيه رأسه وجسمهُ)) .
هذا على أقلِّ تقديرٍ. وكان بعضُ الصالحين يغتسلُ كلَّ يومٍ مرةً كعثمان بنِ عفان فيما ورد عنهُ، {هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} .
ومنها خصالُ الفطرةِ: كإعفاءِ اللحيِة وقصِّ الشاربِ، وتقليمِ الأظافرِ، وأخذِ الشعرِ الزائدِ من الجسمِ، والسواكِ، والطِّيبِ، وتخليلِ الأسنانِ، وتنظيفِ الملابسِ، والاعتناءِ بالمظهرِ، فإنَّ هذا مما يوسِّعُ الصدر ويفسحُ الخاطر. ومنها لُبسُ البياضِ، ((البسوا البياض، وكفِّنوا فيه موتاكمْ)) .
رقاقُ النعالِ طيّباً حُجُزاتُهم ... يُحيّون بالرَّيْحانِ يوم السباسِبِ
وقد عقد البخاريُّ باب: لبسِ البياضِ: ((إنَّ الملائكة تنزلُ بثيابٍ بيضٍ عليهمْ عمائمُ بِيضٌ)) .
ومنها ترتيبُ المواعيدِ في دفترٍ صغيرٍ، وتنظيمُ الوقتِ، فوقتٌ للقراءةِ، ووقتٌ للعبادةِ، ووقتٌ للمطالعةِ، ووقتٌ للراحة، {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} ، {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} .
في مكتبةِ الكونجرسِ لوحةٌ مكتوبٌ عليها: الكونُ بُني على النظامِ. وهذا صحيحٌ، ففي الشرائعِ السماويةِ الدعوةُ إلى التنظيمِ والتنسيقِ والترتيبِ، وأخبر - سبحانه وتعالى - أنَّ الكون ليس لهْواً ولا عبثاً، وأنه بقضاءٍ وقدرٍ، وأنه بترتيب وبحُسبانٍ: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} . {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَاأَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} . {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} . {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} . {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً} . {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ {16} لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ} .
{وَقُلِ اعْمَلُواْ} :
كان حكماءُ اليونانِ إذا أرادُوا معالجة المصابِ بالأوهامِ والقلق والأمراضِ النفسيةِ: يجبرونهُ على العملِ في الفلاحة والبساتين، فما يمرُّ وقتٌ قصير إلا وقد عادت إليه عافيته وطمأنينته، {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} ، {وَقُلِ اعْمَلُواْ} .
إنَّ أهل الأعمالِ اليدويِة همْ أكثُر الناسِ راحةً وسعادةً وبسْطة بالٍ، وانظرْ إلى هؤلاءِ العمَّالِ كيف يملكون منْ البالِ وقوةِ الأجسامِ، بسببِ حركتِهمْ ونشاطِهمْ ومزاولاتِهمْ، ((وأعوذُ بك من العجْزِ والكسلِ)) .
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27739
اللهُ: هو الاسم الجليلُ العظيمُ، هو أعرفُ المعارفِ، فيه معنىً لطيفٌ، قيل: هو مِنْ أَلهَ، وهو الذي تألهُهُ القلوبُ، وتحبُّه، وتسكنُ إليه، وترضى بهِ وتركنُ إليهِ، ولا يمكنُ للقلبِ أبداً أن يسكن أو يرتاح أو يطمئنَّ لغيرهِسبحانه، ولذلك علّم - صلى الله عليه وسلم - فاطمة ابنتهُ دعاء الكرْبِ: ((اللهُ، اللهُ ربي لا أشركُ به شيئاً)) . وهو حديثٌ صحيحٌ، {قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} ، {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} ، {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} ، {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} ، {وْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} ، {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا}
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27740
تحمل الله
سُبْحَانَهُ حَوَائِجه كلهَا وَحمل عَنهُ كل مَا أهمه وَفرغ قلبه لمحبته وَلسَانه لذكره وجوارحه لطاعته وَإِن أصبح وَأمسى وَالدُّنْيَا همه حمله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكله إِلَى نَفسه فشغل قلبه عَن محبته بمحبة الْخلق وَلسَانه عَن ذكره بذكرهم وجوارحه عَن طَاعَته بخدمتهم وأشغالهم فَهُوَ يكدح كدح الْوَحْش فِي خدمَة غَيره كالكير ينْفخ بَطْنه ويعصر أضلاعه فِي نفع غَيره لكل من أعرض عَن عبودية اللله وطاعته ومحبته بلي بعبودية لمخلوق ومحبته وخدمته قَالَ تَعَالَى {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة لَا تأتون بِمثل مَشْهُور للْعَرَب إِلَّا جِئتُكُمْ بِهِ من الْقُرْآن فَقَالَ لَهُ قَائِل فَأَيْنَ فِي الْقُرْآن أعْط أَخَاك تَمْرَة فَإِن لم يقبل فأعطه جَمْرَة فَقَالَ فِي قَوْله
{وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً} الْآيَة
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27741
ومنْ أعظمِ ما يُضفي السعادة على العبدِ ركونُهُ إلى ربِّه، وتوكُّلُه عليهِ، واكتفاؤه بولايتهِ ورعايتهِ وحراستهِ، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} ، {إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} ، {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} .
أجمعُوا على ثلاثةٍ
طالعتُ الكتب التي تعتني بمسألةِ القلقِ والاضطرابِ، سواءٌ كانتْ لسلفِنا من محدِّثين وأدباء ومربِّين ومؤرِّخين أو لغيرِهمْ مع النشراتِ والكتبِ الشرقيةِ والغربيةِ والمترجمةِ، والدورياتِ والمجلاَّتِ، فوجدتُ الجميع مجمعين على ثلاثةِ أسسِ لمنْ أراد الشفاء والعافية وانشراح الصدرِ، وهي:الأولُ: الاتصالُ باللهِ عزَّ وجلَّ، وعبوديتُه، وطاعتُه واللجوءُ إليه، وهي مسألةُ الإيمانِ الكبرى، {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} .
الثاني: إغلاقُ ملفِّ الماضي، بمآسيهِ ودموعِه، وأحزانِه ومصائِبِه، وآلامِه وهمومِه، والبدءِ بحياةٍ جديدةٍ مع يومٍ جديدٍ.
الثالثُ: ترْكُ المستقبلِ الغائبِ، وعدمُ الاشتغالِ بهِ والانهماكُ فيهِ، وتركُ التوقعاتِ والانتظاراتِ والتوجُّساتِ، وإنِّما العيشُ في حدودِ اليومِ فَحَسْبُ.
قال عليٌّ: إيَّاكمْ وطول الأملِ، فإنَّه يُنْسِي، {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ} .
إيَّاك وتصديق الأراجيفِ والشائعاتِ، فإنَّ الله قال عنْ أعدائِه: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} .
وعرفتُ أناساً منْ سنواتٍ عديدةٍ، وهمْ ينتظرون أموراً ومصائب وحوادث وكوارث لمْ تقعْ، ولا يزالون يُخوِّفون أنفسهم وغيرهم منها، فسبحان الله ما أنكدُ عَيْشَهمْ!! ومَثَلُ هؤلاءِ كالسجينِ المعذَّبِ عند الصينيين، فإنهمْ يجعلونه تحت أنبوبٍ يقطُرُ على رأسِهِ قطرةً من الماءِ في الدقيقةِ الواحدةِ، فيبقى هذا السجينُ ينتظرُ كلَّ قطرةٍ ثمَّ يصيبُه الجنونُ، ويفقدُ عقله. وقدْ وصف اللهُ أهل النارِ فقال: {لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا} ، {لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى} ، {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} .
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27742
إلى الدَّيانِ يوم الحشْرِ نمضي ... وعند اللهِ تجتمعُ الخصومُ
ويكفي العبد إنصافاً وعدْلاً أنهُ ينتظرُ يوماً يجمعُ اللهُ فيهِ الأولين والآخرين، لا ظلم في ذلك اليومِ، والحكمُ هو اللهُ عزَّ وجلَّ، والشهودُ الملائكةُ، {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ}
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27743
ولعمل نقل
صُورَة علمية من النَّفس وإثباتها فِي الْخَارِج فَإِن كَانَ الثَّابِت فِي النَّفس مطابقا للْحَقِيقَة فِي نَفسهَا فَهُوَ علم صَحِيح وَكَثِيرًا مَا يثبت ويترا أَي فِي النَّفس صور لَيْسَ لَهَا وجود حقيقى فيضنها الَّذِي قد أثبتها فِي نَفسه علما وَإِنَّمَا هِيَ مقدرَة لَا حَقِيقِيَّة لَهَا وَأكْثر عُلُوم النَّاس من هَذَا الْبَاب وَمَا كَانَ مِنْهَا مطابقا للْحَقِيقَة فِي الْخَارِج فَهُوَ نَوْعَانِ نوع تكمل النَّفس بإدراكه وَالْعلم بِهِ وَهُوَ الْعلم بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته وأفعاله وَكتبه وَأمره وَنَهْيه وَنَوع لَا يحصل بِهِ للنَّفس كَمَال وَهُوَ كل علم لَا يضر الْجَهْل بِهِ فَإِنَّهُ لَا ينفع الْعلم بِهِ وَكَانَ النَّبِي يستعيذ بِاللَّه من علم لَا ينفع وَهَذَا حَال أَكثر لعلوم الصَّحِيحَة الْمُطَابقَة الَّتِي لَا يضر الْجَهْل بهَا شَيْئا كَالْعلمِ بالفلكودقائقه ودرجاته وَعدد الْكَوَاكِب ومقاديرها وَالْعلم بِعَدَد الْجبَال وألوانها ومساحتها وَنَحْو ذَلِك فشرف الْعلم بِحَسب شرف معلومه وَشدَّة الْحَاجة إِلَيْهِ وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا الْعلم بِاللَّه وتوابع ذَلِك وَأما الْعلم فآفته عدم مطابقته لمراد الله الديني الَّذِي يُحِبهُ الله ويرضاه وَذَلِكَ يكون من فَسَاد الْعلم تَارَة وَمن فَسَاد الْإِرَادَة تَارَة ففساد من جِهَة الْعلم أَن يعْتَقد أَن هَذَا مَشْرُوع مَحْبُوب لله وَلَيْسَ كَذَلِك أَو يعْتَقد أَنه يقر بِهِ إِلَى الله وَإِن لم يكن مَشْرُوعا فيظن أَنه يتَقرَّب إِلَى الله بِهَذَا الْعَمَل وَإِن لم يعلم أَنه مَشْرُوع وَأما فَسَاده من جِهَة الْقَصْد فان لَا يقْصد بِهِ وَجه الله وَالدَّار الْآخِرَة بل يقْصد بِهِ الدُّنْيَا والخلق وَهَاتَانِ الآفتان فِي الْعلم وَالْعَمَل لَا سَبِيل إِلَى السَّلامَة مِنْهُمَا إِلَّا بِمَعْرِِفَة مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول فِي بَاب الْعلم والمعرفة وَإِرَادَة وَجه الله وَالدَّار الْآخِرَة فِي بَاب الْقَصْد والرادة فَمَتَى خلا من هَذِه الْمُعَرّف وَهَذِه الْإِرَادَة فسد علمه وَعَمله وَالْإِيمَان وَالْيَقِين يورثان صِحَة الْمعرفَة وَصِحَّة الْإِرَادَة يورثان الْإِيمَان ويمدانه وَمن هُنَا يتَبَيَّن انحراف أَكثر النَّاس عَن الْأَيْمَان ولانحرافهم عَن صِحَة الْمعرفَة وَصِحَّة الْإِرَادَة وَلَا يتم الْإِيمَان إِلَّا بتلقي الْمعرفَة من مشكاة النُّبُوَّة وَتَجْرِيد الْإِرَادَة عَن شوائب الْهوى وَإِرَادَة الْخلق فَيكون علمه مقتبسا من مشكاة الْوَحْي وإرادته لله وَالدَّار الْآخِرَة فَهَذَا أصح النَّاس علما وَعَملا وَهُوَ من الْأَئِمَّة الَّذين يهْدُونَ بِأَمْر الله وَمن خلفاء رَسُوله فِي أمته
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27744
ذكر بُزر جمهرُ حكيمُ فارس: أنَّ عجوزاً فارسيةً كان عندها دجاجٌ في كوخٍ مجاورٍ لقصرِ كسرى الحاكمِ، فسافرتْ إلى قريةٍ أخرى، فقالتْ: يا ربِّ أستودعُك الدجاج. فلمَّا غابتْ، عدا كسرى على كوخِها ليوسع قصْره وبستانهُ، فذبح جنودُه الدجاج، وهدمُوا الكوخ، فعادتِ العجوزُ فالتفتتْ إلى السماءِ وقالتْ: يا ربّ، غبتُ أنا فأين أنت! فأنصفها اللهُ وانتقم لها، فعدا ابنُ كسرى على أبيه بالسكينِ فَقَتَلهُ على فراشِهِ. {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ} ، ليتنا جميعاً نكونُ كخيْرَي ابني آدم القائلِ: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ} . ((كنْ عبد اللهِ المقتول، ولا تكنْ عبد الله القاتل)) ، إنَّ عند المسلمِ مبدأ ورسالةً وقضيةً أعظمُ من الانتقامِ والتشفي والحِقْدِ والكراهيةِ.
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27745
{لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} . بعضُ العباقرةِ شقُّوا طريقهم بصمودٍ لإحساسِهم بنقصٍ عارضٍ، فكثيرٌ من العلماءِ كانوا موالي، كعطاءٍ، وسعيدِ بن جُبيْرٍ، وقَتَادَةَ، والبخاريِّ، والترمذيِّ، وأبي حنيفة.
وكثيرٌ منْ أذكياءِ العالمِ وبحورِ الشريعةِ أصابهُم العمى، كابن عباسٍ، وقتادة، وابنِ أمِّ مكتوم، والأعمشِ، ويزيدِ بنِ هارون.
ومن العلماء المتأخرين: الشيخُ محمدُ بنُ إبراهيم آل الشيخ، والشيخُ عبدُاللهِ بنُ حميد، والشيخُ عبدُالعزيزِ بنُ بازٍ. وقرأتُ عن أذكياء ومخترعين وعباقرةٍ عَرَبٍ كان بهمْ عاهاتٌ، فهذا أعمى، وذاك أصمُّ وآخرُ أعوجُ، وثانٍ مُقْعدٌ، ومع ذلك أثَّروا في التاريخ، وأثَّروا في حياةِ البشريةِ بالعلومِ والاختراعاتِ والكشوفِ. {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} .
ليستِ الشهادةُ العلميةُ الراقيةُ كلَّ شيءٍ، لا تهتمَّ ولا تغتمَّ ولا تضِقْ ذرْعاً لأنك لم تنلِ الشهادة الجامعية، أو الماجستير، أو الدكتوراه، فإنها ليستْ كلُّ شيء، بإمكانِك أنْ تؤثِّرَ وأنْ تلمع وأنْ تقدّم للأمةِ خيراً كثيراً، ولوْ لمْ تكنْ صاحب شهادةٍ علميةٍ. كمْ منْ رجلٍ شهيرٍ خطيرٍ نافعٍ لا يحملُ شهادةً، إنما شقَّ طريقه بعصاميَّتِهِ وطموحِه وهمَّتِه وصمودِه. نظرتُ في عصرِنا الحاضرِ فرأيتُ كثيراً من المؤثِّرين في العالمِ الشرعي والدعوةِ والوعي والتربيةِ والفكرِ والأدبِ، لم يكنْ عندهمْ شهاداتٌ عالميةٌ، مثلُ الشيخ ابن بازِ، ومالكِ بنِ نبيٍّ، والعقادِ، والطنطاوي، وأبي زهرة، والمودوديِّ والندويِّ، وجمعٍ كثيرٍ
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27746
وَظَاهره قَول اللِّسَان وَعمل الْجَوَارِح وباطنه
تَصْدِيق الْقلب وانقياده ومحبته فَلَا ينفع ظَاهر لَا بَاطِن لَهُ وَإِن حقن بِهِ الدِّمَاء وعصم بِهِ المَال والذريّة وَلَا يجزىء بَاطِن لَا ظَاهر لَهُ إِلَّا إِذا تعذّر بعجز أَو إِكْرَاه وَخَوف هَلَاك فَتخلف الْعَمَل ظَاهرا مَعَ عدم الْمَانِع دَلِيل على فَسَاد الْبَاطِن وخلوّه من الْإِيمَان ونقصه دَلِيل نَقصه وقوته دَلِيل قوته فالإيمان قلب الْإِسْلَام ولبهوَالْيَقِين قلب الْإِيمَان ولبه وكل علم وَعمل لَا يزِيد الْإِيمَان وَالْيَقِين قُوَّة فمدخول وكل إِيمَان لَا يبْعَث على الْعَمَل فمدخول
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27747
ودونك علماء السلفِ، والعباقرة الذين مرُّوا في القرونِ المفضَّلةِ.
نفسُ عصامٍ سوَّدتْ عِصاما ... وعلَّمتْهُ الكرَّ والإقداما
وعلى الضدِّ منْ ذلك آلافُ الدكاترةِ في العالمِ طولاً وعرضاً، {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} . القناعةُ كَنْزٌ عظيمٌ، وفي الحديثِ الصحيحِ: ((ارض بما قسم اللهُ لك تَكُنْ أغنى الناسِ)) .
ارضْ بأهلِك، بدخْلِك، بمرْكبِك، بأبنائِك، بوظيفتِك، تجدِ السعادة والطمأنينة.
وفي الحديثِ الصحيحِ: ((الغِنى غِنى النفسِ)) .
وليس بكثرةِ العرضِ ولا بالأموالِ وبالمنصبِ، لكنَّ راحة النفسِ، ورضاها بما قَسَمَ الله.
وفي الحديثِ الصحيحِ: ((إنَّ الله يحبُّ العبد الغنيَّ التقيَّ الخفيَّ)) . وحديثِ: ((اللهمَّ اجعلْ غناه في قلبِهِ)) .
قال أحدُهم: ركبتُ مع صاحبِ سيارةٍ من المطارِ، متوجّهاً إلى مدينةٍ من المدنِ، فرأيتُ هذا السائق مسروراً جذِلاً، حامداً للهِ وشاكراً، وذاكراً لمولاهُ، فسألُه عن أهلِه فأخبرني أنَّ عنده أسرتين، وأكثر منْ عشرةِ أبناءٍ، ودخلُهُ في الشهرِ ثمانمائةِ ريالٍ فَحَسْبُ، وعنده غُرفٌ قديمةٌ يسكنُها هو وأهلُه، وهو مرتاح البالِ، لأنهُ راضٍ بما قَسَمَ اللهُ لهُ.قال: فعجبتُ حينما قارنتُ بين هذا وبين أناسٍ يملكونُ ملياراتٍ من الأموالِ والقصورِ والدورِ، وهمْ يعيشون ضنْكاً من المعيشةِ، فعرفتُ أن السعادة ليستْ في المالِ.
عرفتُ خَبَرَ تاجرٍ كبيرٍ، وثريٍّ شهيرٍ عندهُ آلافُ الملايين وعشراتُ القصورِ والدورِ، وكانَ ضيِّق الخُلُقِ، شرس التعاملِ ثائر الطبع، كاسف البالِ، مات في غربةٍ عنْ أهلِه، لأنهُ لم يَرْضَ بما أعطاهُ اللهُ إياه، {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ {15} كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً} .
منْ معالمِ راحةِ البالِ عند العربيِّ القديمِ أنْ يَخْلُو بنفسِه في الصحراءِ، وينفرد عنِ الأحياءِ، يقولُ أحدُهم:
عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئبِ إذْ عوى ... وصوَّت إنسانٌ فكِدْتُ أطِيرُ
وقد خرج أبوٍّ ذر إلى الربذةِ. وقال سفيانُ الثوريَّ: ودِدْتُ أني في شِعْبٍ من الشِّعابِ لا يعرفُني أحدٌ! وفي الحديثِ: ((يُوشِكُ أنْ يكون خَيْرَ مالِ المسلمِ: غَنَمٌ يتبعُ بها مواقع القطرِ وشعف الجبالِ، ويفرُّ بدينِه من الفِتنِ)) .
فإذا حصلتِ الفتنُ كان الأسلمُ للعبدِ الفرار منها، كما فعل ابنُ عُمرَ وأسامةُ بنُ زيدٍ ومحمدُ بنُ مسلمة لما قُتِل عثمانُ.
عَرفْتُ أناساً ما أصابهمُ الفقْرُ والكدرُ وضيِقُ الصَّدْرِ إلا بسببِ بُعْدِهم عنِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فتجدُ أحدهم كان غنيّاً ورزقُهُ واسعاً، وهو في عافيةٍ منْ ربِّه، وفي خيرٍ منْ مولاه، فأعرض عنْ طاعِة اللهِ، وتهاون بالصلاةِ، واقترف كبائر الذنوبِ، فسلبَه ربُّه عافية بدنِه، وَسَعَةَ رِزْقِهِ، وابتلاهُ بالفقْرِ والهمِّوالغمِّ، فأصبح منْ نكدٍ إلى نَكَدٍ، ومنْ بلاءٍ إلى بلاءٍ، {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} ، {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ} ، وقوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} ، {وَأَن أَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً} .
ودِدتُ أنَّ عندي وصفةً سحريَّة ألقيها على همومك وغمومِك وأحزانِك، فإذا هي تلْقفُ ما يأفِكون، لكنْ مِنْ أين لي؟! ولكنْ سوف أخبرُك بوصفةٍ طبيَّةٍ منْ عيادةِ علماءِ الملَّةِ وروَّاد الشَّريعةِ، وهي: اعبدِ الخالق، وارض بالرزقِ، وسلّمْ بالقضاءِ، وازهدْ في الدُّنيا، وقصَّرِ الأمل. انتهى.
عجبتُ العالِم نفسانٍّي شهيرٍ أمريكيٍّ، اسمُهُ (وليم جايمس) ، هو أبو علِم النفسِ عندهم، يقولُ: إننا نحنُ البشرُ نفكِّرُ فيما لا نملكُ، ولا نشكرُ الله على ما نملكُ، وننظرُ إلى الجانبِ المأسويِّ المظلمِ في حياتِنا، ولا ننظرُ إلى الجانب المشْرقِ فيها، ونتحسَّرُ على ما ينقصُنا، ولا نسعدُ بما عندنا، {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} ، ((وأعوذُ باللهِ منْ نفسٍ لا تَشْبَعُ)) .
وفي الحديثِ: ((منْ أصبح والآخرةُ همُّه، جمع اللهُ شمله، وجَعَلَ غناه في قلبِه، وأتتْه الدنيا وهي راغمةٌ، ومنْ أصبح والدنيا همُّه، فرَّق اللهُ عليهِ شمله، وجعلَ فَقْرَهُ بين عيْنَيْه، ولم يأتِه من الدنيا إلاَّ ما كٌتِب له)) . {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} .
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27748
أَحدهمَا توكل عَلَيْهِ فِي جلب حوائج العَبْد
وحظوظه الدُّنْيَوِيَّة أَو دفع مكروهاته ومصائبه الدُّنْيَوِيَّة وَالثَّانِي التَّوَكُّل عَلَيْهِ فِي حُصُول مَا يُحِبهُ هُوَ ويرضاه من الْإِيمَان وَالْيَقِين وَالْجهَاد والدعوة إِلَيْهِ وَبَين النَّوْعَيْنِ من الْفضل مَا لَا يُحْصِيه إِلَّا الله فَمَتَى توكل عَلَيْهِ العَبْد فِي النَّوْع الثَّانِي حق توكله كَفاهُ النَّوْع الأول تَمام الْكِفَايَة وَمَتى توكل عَلَيْهِ فِي النَّوْع الأول دون الثَّانِي كَفاهُ أَيْضا لَكِن لَا يكون لَهُ عَاقِبَة المتَوَكل عَلَيْهِ فِيمَا يُحِبهُ ويرضاه فأعظم التَّوَكُّل عَلَيْهِ التَّوَكُّل فِي الْهِدَايَة وَتَجْرِيد التَّوْحِيد ومتابعة الرَّسُول وَجِهَاد أهل الْبَاطِل فَهَذَا توكل الرُّسُل وخاصة أتباعهم
التَّوَكُّل تَارَة يكون توكل اضطرار وإلجاء بِحَيْثُ لَا يجد العَبْد ملْجأ وَلَا وزرا إِلَّا التَّوَكُّل كَمَا إِذا ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأَسْبَاب وَضَاقَتْ عَلَيْهِ نَفسه وَظن أَن لَا ملْجأ من الله إِلَّا إِلَيْهِ وَهَذَا لَا يتَخَلَّف عَنهُ الْفرج والتيسير الْبَتَّةَ وَتارَة يكون توكل اخْتِيَار وَذَلِكَ التَّوَكُّل مَعَ وجود السَّبَب المفضي إِلَى المُرَاد فَإِن كَانَ السَّبَب مَأْمُورا بِهِ ذمّ على تَركه وَإِن قَامَ السَّبَب وَترك التَّوَكُّل ذمّ على تَركه أَيْضا فَإِنَّهُ وَاجِب بِاتِّفَاق الْأمة وَنَصّ الْقُرْآن وَالْوَاجِب الْقيام بهما وَالْجمع بَينهمَا وَإِن كَانَ السَّبَب محرما حرم عَلَيْهِ مُبَاشَرَته وتوحد السَّبَب فِي حَقه فِي التَّوَكُّل فَلم يبْق سَبَب سواهُ فَإِن التَّوَكُّل من أقوى الْأَسْبَاب فِي حُصُول المُرَاد وَدفع الْمَكْرُوه بل هُوَ أقوى الْأَسْبَاب على الْإِطْلَاق وَإِن كَانَ السَّبَب مُبَاحا نظرت هَل يضعف قيامك بِهِ التَّوَكُّل أَو لَا يُضعفهُ فَإِن أضعفه وَفرق عَلَيْك قَلْبك وشتت همك فَتَركه أولى وَإِن لم يُضعفهُ فمباشرته أولى لِأَن حِكْمَة أحكم الْحَاكِمين اقْتَضَت ربط الْمُسَبّب بِهِ فَلَا تعطل حكمته
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27749
(سخروف) عالمٌ روسيٌ، نُفِي إلى جزيرةِ سيبيريا، لأفكارِه المخالفةٍ للإلحادِ، والكفرِ باللهِ، فكان يُنادي أنَّ هناك قوةً فاعلةً مؤثرةً في العالمِ خلاف ما يقولُه الشيوعيُّون: لا إله، والحياةُ مادةٌ. ومعنى هذا: أنَّ النفوس مفطورةٌ على التوحيدِ. {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} .
إنَّ الملحد لا مكان له هنا وهناك؛ لأنه منكوسُ الفِطْرةِ، خاوي الضميرِ مبتورُ الإرادةِ، مخالفٌ لمنهجِ اللهِ في الأرضِ.
قابلتُ أستاذاً مسلماً في معهدِ الفكرِ الإسلاميِّ بواشنطن قبل سقوطِ الشيوعيةِ - أو الاتحادِ السوفيتيِّ - بسنتين، فذكر لي هذه الآية: {َنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} وقال: سوف تتمُّ هذه الآيةُ فيهمْ: {فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ} ، {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ} ، {فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ} ، {فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} .
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27750
للزيِّاتِ في مجلةِ (الرسالة) كلامٌ عجيبٌ، ومقالةٌ رائعةٌ في وصفِ الشيوعيةِ، حينما أرسلوا سفينة الفضاءِ إلى القمرِ وعادتْ، فكتبَ أَحَدُ روّادِها مقالاً في صحيفةِ (البرافدا) الروسيةِ، يقولُ فيها: صعِدْنا إلى السماءِ فلمْ نجدْ هناك إلهاً ولا جنةً ولا ناراً ولا ملائكةً.
فكتب الزيَّاتْ مقالةً فيها: «عجباً لكم أيُّها الحُمُرُ الحمْقى!! أتظنون أنكمْ سوف تَرَوْنَ ربَّكُم على عرشِهِ بارزاً، وسوف ترون الحُور العِين في الجناتِ يمشين في الحريرِ، وسوف تسمعون رقرقة الكوْثرِ، وسوف تشمُّون رائحة المعذَّبين في النارِ، إنكمْ إنْ ظننتم ذلك خسرتُم خسرانكم الذي تعيشونه، ولكنْ لا أفسرُ ذلك التيه والضلال والانحراف والحُمْق إلا بالشيوعيةِ والإلحادِ الذي في رؤوسِكمْ. إنَّ الشيوعية يومٌ بلا غدٍ، وأرضٌ بلا سماءٍ، وعملٌ بلا خاتمةٍ، وسعيٌ بلا نتيجةٍ..» إلى آخرِ ما قال، {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} ، {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا} ، {وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} ، {أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} ، {أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} .
ومن كلامِ العقادِ في كتابِ (مذاهبُ ذوي العاهاتِ) ، وهو ينهدُ غاضباً على هذهِ الشيوعيةِ، وعلى هذا الإلحادِ السخيفِ الذي وقع في العالمِ، كلامٌ ما معناه: إنَّ الفطرة السويَّة تقبلُ هذا الدين الحقَّ، دين الإسلامِ، أماالمعاقون عقلياً والمختلفون وأهلُ الأفكارِ العفِنةِ القاصرةِ، فإنها يمكنُ أنْ ترتكب الإلحاد. {وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} .
إنَّ الإلحاد ضربةٌ قاصمةٌ للفكرِ، وهو أشبهُ بما يُحدِّثُه الأطفالُ في عالمِهم، وهو خطيئةٌ ما عَرَفَ الدهرُ أكبر منها خطيئةً. ولذلك قال اللهُ سبحانه وتعالى: {أَفِي اللهِ شَكٌّ....} !!
يعني: أنَّ الأمر لا شكَّ فيه، وهو ظاهرٌ. بلْ ذكر ابنُ تيمية: أن الصانع - يعني: الله سبحانه وتعالى - لم ينكرْه أحدٌ في الظاهِرِ إلا فرعونُ، مع العلمٍ أنهُ معترفٌ به في باطنِه، وفي داخلهِ، ولذلك يقولُ موسى: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُوراً} ، ولكنَّ فرعون في آخر المطافِ صرخ بما في قلبِه: {آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} .
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27751
وَهَذَا غَايَة الْجَهْل بالمشكو والمشكو
إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَو عرف ربه لما شكاه وَلَو عرف النَّاس لما شكا إِلَيْهِم وَرَأى بعض السّلف رجلا يشكو إِلَى رجل فاقته وضرورته فَقَالَ يَا هَذَا وَالله مَا زِدْت على أَن شَكَوْت من يَرْحَمك وَفِي ذَلِك قيل
اذا شَكَوْت إِلَى ابْن آدم إِنَّمَا ... تَشْكُو الرَّحِيم إِلَى الَّذِي لَا يرحم
والعارف إِنَّمَا يشكو إِلَى الله وَحده وَأعرف العارفين من جعل شكواه إِلَى الله من نَفسه لَا من النَّاس فَهُوَ يشكو من مُوجبَات تسليط النَّاس عَلَيْهِ فَهُوَ نَاظر إِلَى قَوْله تَعَالَى وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَمَا كسبت أَيْدِيكُم وَقَوله {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفسك} وَقَوله أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا{قُلْ هُوَ مِنْ عِنْد أَنفسكُم} فالمراتب ثَلَاثَة أخسها أَن تَشْكُو الله إِلَى خلقه وأعلاها أَن تَشْكُو نَفسك إِلَيْهِ وأوسطها أَن تَشْكُو خلقه إِلَيْهِ
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27752
في كتابِ (اللهُ يتجلَّى في عصرِ العلمِ) ، وكتاب (الطبُّ مِحْرابُ الإيمانِ) حقيقةٌ وهي: وجدتُ أنَّ أكثر مُعين للعبدِ في التخلُّص منْ همومِه وغمومِه، هو الإيمانُ باللهِ عزَّ وجلّ، وتفويضُ الأمرِ إليه، {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ} ، {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} .
منْ يعلمْ أنَّ هذا بقضاءٍ وقدرٍ، يهدِ قلبه للرضا والتسليمِ أو نحو ذلك، {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} .
وأعلمُ أني لم تُصِبْني مصيبةٌ ... مِن الله إلا قدْ أصابتْ فتىً قبليإن كُتَّاب الغربِ اللامعِين، مثل (كرسي مريسون) ، و (ألكس كاريل) ، و (دايل كارنيجي) ، يعترفون أنَّ المنقذ للغربِ الماديِّ المتدهورِ في حياتهم إنما هو الإيمانُ باللهِ عزَّ وجلَّ، وذكروا أنَّ السبب الكبير والسرَّ الأعظم في حوادثِ الانتحاراتِ التي أصبحتْ ظاهرةً في الغربِ، إنّما هو الإلحادُ والإعراضُ عنِ الله - عزَّ وجلَّ - ربِّ العالمين، {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} ، {وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} .
ذكرتْ جريدةُ (الشرق الأوسط) في عددها بتاريخ 21/ 4/ 1415 هـ، نقلاً عنْ مذكراتِ عقيلةِ الرئيسِ الأمريكيِّ السابقِ (جورج بوش) : أنَّها حاولتِ الانتحار أكثر منْ مرةٍ، وقادتِ السيارة إلى الهاويةِ تطلبُ الموت مظانَّهُ، وحاولتْ أنْ تختنق.
لقدْ حضر قزمانُ معركة أُحدٍ يقاتلُ فيها مع المسلمين فقاتلُ قتالاً شديداً. قال الناسُ: هنيئاً له الجنةُ. فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((إنهُ منْ أهلِ النارِ)) !! فاشتدتْ به جراحُه فلم يصبرْ، فَقَتَلَ نفسه بالسيفِ فمات، {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} .
وهذا معنى قولِهِ سبحانه وتعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} .
إنَّ المسلم لا يقدمُ على مثلِ هذهِ الأمورِ، مهما بلغتْ الحالُ. إنَّ ركعتين بوضوءٍ وخشوعٍ وخضوعٍ كفيلتان أنْ تُنهيا كلَّ هذا الغمِّ والكدرِ والهمِّ والإحباطِ، {وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} .إنَّ القرآن يتساءلُ عنْ هذا العالمِ، وعنِ انحرافِه وضلالِه فيقولُ: {فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} ؟! ما هو الذي يردُّهمْ عنِ الإيمانِ، وقدْ وضُحتِ المحجةُ، وقامتِ الحجةُ، وبان الدليلُ، وظهر الحقُّ، وسطع البرهانُ. {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} ، يتبينُ لهمْ أنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - صادقٌ، وأنَّ الله إلهٌ يستحقُّ العبادة، وأنَّ الإسلام دينٌ كاملٌ يستحقُّ أنْ يعتنقه العالمُ، {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى}
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27753
في مذكراتِ الرئيسِ (جورج بوش) بعنوان (سيرةٌ إلى الأمامِ) : ذكر أنَّه حضر جنازة برجنيف) ، رئيسِ الاتحادِ السوفيتيِّ في موسكو، قال فوجدتُها جنازةً مظلمةً قاتمةً، ليس فيها إيمانٌ ولا روحٌ. لأنّ (بوش) نصرانيٌّ وأولئك ملاحدةٌ {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى} . فانظرْ كيف أدرك هذا مع ضلالِهِ انحراف أولئك، لأنَّ الأمر أصبح نسبيّاً فكيف لو عَرَف بوش الإسلام، دين اللهِ الحقِّ؟! {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .وذكَّرني هذا بمقالةٍ لشيخِ الإسلامِ ابنِ تيمية، وهو يتحدَّثُ عن أحدِ البطائحيةِ (الفرقِ الضالًّةِ الصوفيةِ المنحرفةِ) . يقولُ هذا البطائحيُّ لابنِ تيمية: ما لكمْ يا ابن تيمية إذا جئْنا إليكمْ - يعني أهل السنةِ - بارتْ كرامتُنا وبطلتْ، وإذا ذهبْنا إلى التتِر المغولِ الكفارِ ظهرتْ كرامتُنا؟ قال ابنُ تيمية: أتدري ما مثلُنا ومثلُكُم ومثَلُ التتارِ؟ أما نحنُ فخيولٌ بيضٌ، وأنتم بُلْقٌ، والتترُ سُودٌ، فالأبلقُ إذا دخل بين السودِ أصبح أبيض، وإذا خالط البض أصبح أسود، فأنتمْ عندكمْ بقيةٌ منْ نورٍ، إذا دخلتمْ مع أهلِ الكفرِ ظَهَرَ هذا النورُ وإذا أتيتُم إلينا ونحنُ أهل النورِ الأعظمِ والسنة، ظهر ظلامُكم وسوادُكم، فهذا مثلكُم ومثلُنا ومثلُ التتارِ. {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27754
ذهب طالبٌ منْ بلادِ الإسلامِ يدرسُ في الغربِ، وفي لندن بالذاتِ، فسكن مع أسرةٍ بريطانيةٍ كافرةٍ، ليتعلَّم اللغة، فكان متديِّناً وكان يستيقظُ مع الفجرِ الباكرِ، فيذهبُ إلى صنبورِ الماءِ ويتوضأُ، وكان ماءً بارداً، ثمَّ يذهبُ إلى مصلاَّهُ فيسجدُ لربِّه ويركعُ ويسبحُ ويَحْمَدُ، وكانتْ عجوزٌ في البيتِ تلاحظهُ دائماً، فسألتْه بعد أيامٍ: ماذا تفعلُ؟ قال: أمرني ديني أنْ أفعل هذا. قالتْ: فلو أخَّرْت الوقت الباكر حتى ترتاح في نومِك ثمَّ تستيقظ. قال: لكنَّ ربي لا يقبلُ منِّي إذا أخّرتُ الصلاة عن وقتِها. فهزَّتْ رأسها، وقالتْ: إرادةٌ تكسرُ الحديد!! {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ} .إنِّها إرادةُ الإيمانِ، وقوةُ اليقينِ، وسلطانُ التوحيدِ. هذهِ الإرادةُ هي التي أوحتْ إلى سحرةِ فرعون وقدْ آمنوا باللهِ ربِّ العالمين في لحظةِ الصراعِ العالميِّ بين موسى وفرعون، قالوا لفرعون: {قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ} . وهو التحدّي الذي ما سُمع بمثلِهِ، وأصبح عليهمْ أنْ يؤدُّوا هذه الرسالة في هذه اللحظةِ، وأنْ يبلِّغوا الكلمة الصادقة القوية إلى هذا الملحدِ الجبارِ.
لقدْ دخل حبيبُ بنُ زيدٍ إلى مسيلمة يدعوه إلى التوحيدِ، فأخذ مسيلمةُ يقطعُهُ بالسيفِ قطعةً قطعةً، فما أنَّ ولا صاح ولا اهتزَّ حتى لقي ربَّ شهيداً، {وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} .
ورُفع خُبيبُ بنُ عديٍّ على مشنقةِ الموتِ، فأنشد:
ولستُ أبالي حين أُقتلُ مسلماً ... على أيِّ جنبٍ كان في اللهِ مصرعي
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27755
قَاعِدَة جليلة قَالَ الله تَعَالَى
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتجِيبُوا لله وَالرَّسُول إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يحيكم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلبه وَأَنه واليه تحشرون فتضمنت هَذِه الْآيَة أمورا أَحدهَا أَن الْحَيَاة النافعة إِنَّمَا تحصل بالاستجابة لله وَرَسُوله فَمن لم تحصل لَهُ هَذِه الاستجابة فَلَا حَيَاة لَهُ وَإِن كَانَت لَهُ حَيَاة بهيمية مُشْتَركَة بَينه وَبَين أرذل الْحَيَوَانَات فالحياة الْحَقِيقِيَّة الطّيبَة هِيَ حَيَاة من اسْتَجَابَ لله وَالرَّسُول ظَاهرا وَبَاطنا فَهَؤُلَاءِ هم الْأَحْيَاء وَإِن مَاتُوا وَغَيرهم أموات وَإِن كَانُوا أَحيَاء الْأَبدَان وَلِهَذَا كَانَ أكمل النَّاس حَيَاة أكملهم استجابة لدَعْوَة الرَّسُول فَإِن كَانَ مَا دَعَا إِلَيْهِ فَفِيهِ الْحَيَاة فَمن فَاتَهُ جُزْء مِنْهُ فَاتَهُ جُزْء من الْحَيَاة وَفِيه من الْحَيَاة بِحَسب مَا اسْتَجَابَ للرسول قَالَ مُجَاهِد لِمَا يحيكم يَعْنِي للحق وَقَالَ قَتَادَة هُوَ هَذَا الْقُرْآن فِيهِ الْحَيَاة والثقة والنجاة والعصمة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقَالَ السّديّ هُوَ الْإِسْلَام أحياهم بِهِ بعد مَوْتهمْ بالْكفْر وَقَالَ ابْن إِسْحَق وَعُرْوَة بن الزبير وَاللَّفْظ لَهُ لِمَا يحيكم يَعْنِي للحرب الَّتِي أعزكم الله بهَا بعد الذل وقوّاكم بعد الضعْف ومنعكم بهَا من عَدوكُمْ بعد الْقَهْر مِنْهُم لكم وَهَذِه كل عِبَارَات عَن حَقِيقَة وَاحِدَة وَهِي الْقيام بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ظَاهرا وَبَاطنا قَالَ الواحدي وَالْأَكْثَرُونَ على أَن معنى قَوْله لما يحيكم هُوَ الْجِهَاد وَهُوَ قَول ابْن إِسْحَق وَاخْتِيَار أَكثر أهل الْمعَانِي قَالَ الْفراء إِذا دعَاكُمْ إِلَى إحْيَاء أَمركُم بجهاد عَدوكُمْ يُرِيد أَن أَمرهم إِنَّمَا يُقَوي بِالْحَرْبِ وَالْجهَاد فَلَو تركُوا لجهاد ضعف أَمرهم واجترأ عَلَيْهِم عدوهم قلت الْجِهَاد من أعظم مَا يحيهم بِهِ فِي الدُّنْيَا وَفِي البرزخ وَفِي الْآخِرَة أما فِي الدُّنْيَا فَإِن قوتهم وقهرهم لعدوهم بِالْجِهَادِ وَأما فِي البرزخ فقد قَالَ تَعَالَى وَلا تَحْسَبَنَّ{الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبهم يرْزقُونَ} وَإِمَّا فِي الْآخِرَة فَإِن حَظّ الْمُجَاهدين وَالشُّهَدَاء من حَيَاتهَا وَنَعِيمهَا أعظم من حَظّ غَيرهم وَلِهَذَا قَالَ ابْن قُتَيْبَة لما يحيكم يَعْنِي الشَّهَادَة وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين لما يحيكم يَعْنِي الْجنَّة فَإِنَّهَا دَار الْحَيَوَان وفيهَا الْحَيَاة الدائمة الطّيبَة حَكَاهُ أَبُو عَليّ الْجِرْجَانِيّ وَالْآيَة تتَنَاوَل هَذَا كُله فَإِن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَالْقُرْآن وَالْجهَاد يحي الْقُلُوب الْحَيَاة الطّيبَة وَكَمَال الْحَيَاة فِي الْجنَّة وَالرَّسُول دَاع إِلَى الْإِيمَان وَإِلَى الْجنَّة فَهُوَ دَاع إِلَى الْحَيَاة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالْإِنْسَان مُضْطَر إِلَى نَوْعَيْنِ من الْحَيَاة حَيَاة بدنه الَّتِي بهَا يدْرك النافع والضار ويؤثر مَا يَنْفَعهُ على مَا يضرّه وَمَتى نقصت فِيهِ هَذِه الْحَيَاة ناله من الْأَلَم والضعف بِحَسب ذَلِك وَلذَلِك كَانَت حَيَاة الْمَرِيض والمحزون وَصَاحب الْهم وَالْغَم وَالْخَوْف والفقر والذل دون حَيَاة من هُوَ معافى من ذَلِك وحياة قلبه وروحه الَّتِي بهَا يُمَيّز بَين الْحق وَالْبَاطِل والغي والرشاد والهوى والضلال فيختار الْحق على ضِدّه فتفيده هَذِه الْحَيَاة قُوَّة التميز بَين النافع والضار فِي الْعُلُوم والإرادات والأعمال وتفيده قُوَّة الْإِيمَان والإرادة وَالْحب للحق وَقُوَّة البغض وَالْكَرَاهَة للباطل فشعوره وتمييزه وحبه ونفرته بِحَسب نصِيبه من هَذِه الْحَيَاة كَمَا أَن الْبدن الْحَيّ يكون شعوره وإحساسه بالنافع والمؤلم أتم وَيكون ميله إِلَى النافع ونفرته عَن المؤلم أعظم فَهَذَا بِحَسب حَيَاة الْبدن وَذَاكَ بِحِسَاب حَيَاة الْقلب فَإِذا بطلت حَيَاته بَطل تَمْيِيزه وَإِن كَانَ لَهُ نوع تَمْيِيز لم يكن فِيهِ قُوَّة يُؤثر بهَا النافع على الضار كَمَا أَن الْإِنْسَان لَا حَيَاة لَهُ حَتَّى ينْفخ فِيهِ الْملك الَّذِي هُوَ رَسُول الله من روحه فَيصير حَيا بذلك النفخ وان كَانَ قبل ذَلِك من جملَة الْأَمْوَات فَكَذَلِك لَا حَيَاة لروحه وَقَلبه حَتَّى ينْفخ فِيهِ الرَّسُول من الرّوح الَّذِي ألْقى إِلَيْهِ قَالَ تَعَالَى
{يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ من عباده}
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27756
إذا اشتدَّ الظلامُ وزمجر الرَّعْدُ وقصفتِ الريحُ، استيقظتِ الفطرةُ. {جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} . غَيْرَ أنَّ المسلم يدعو ربَّه في الشدَّةِ والرخاءِ، والسراءِ والضراءِ: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ {143} لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} . إنَّ الكثير يسألُ الله وقت حاجتِه وهو متضرِّعٌ إلى ربِّه، فإذا تحقَّق مطلبُه أعرض ونأى بجانبِه، واللهُ عزَّ وجلَّ لا يُلعبُ عليه كما يُلعبُعلى الولدانِ، ولا يُخادعُ كما يُخادعُ الطفلُ، {يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} . إنَّ الذين يلتجئون إلى اللهِ في وقتِ الصَّنائعِ ما همْ إلا تلاميذٌ لذاك الضالِّ المنحرفِ فرعون، الذي قيل لهُ بعد فواتِ الأوانِ: {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} .
سمعتُ هيئة الإذاعةِ البريطانيةِ تُخبرُ حين احتلَّ العراقُ الكويت: أن تاتشر رئيسة الوزراءِ البريطانية السابقة كانت في ولايةِ كلورادو الأمريكيةِ، فلما سمعتِ الخبر هُرِعتْ إلى الكنيسةِ وسجدتْ!
ولا أفسرُ هذه الظاهرة إلا باستيقاظِ الفطرةِ عند مِثْلِ هؤلاءِ إلى فاطرِها عزَّ وجلَّ، مع كفرِهم وضلالِهم، لأنَّ النفوس مفطورةٌ على الإيمانِ بهِ تعالى: ((كلُّ مولودِ يُولدُ على الفطرةِ، فأبواهُ يهوِّدانِهِ أو ينصِّرانِه أو يمجِّسانِهِ)) .
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27757
الذي يستعجلُ نصيبه من الرِّزقِ، ويبادرُ الزمن، ويقلقُ منْ تأخُّرِ رغباتِه، كالذي يسابقُ الإمام في الصلاةِ، ويعلُم أنَّه لا يسلِّمُ إلا بعْد الإمام! فالأمورُ والأرزاقُ مقدَّرةٌ، فُرِغ منها قبل خلْقِ الخليقةِ، بخمسين ألف سنةٍ، {أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} ، {وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ} .
يقولُ عمرُ: «اللَّهمَّ إني أعوذُ بك من جلدِ الفاجرِ، وعجزِ الثقةِ» . وهذهِ كلمةٌ عظيمةٌ صادقةٌ. فلقدْ طُفْتُ بفكري في التاريخِ، فوجدتُ كثيراً منْأعداءِ اللهِ عزَّ وجلَّ، عندهمْ منْ الدَّأبِ والجلدِ والمثابرةِ والطُّموحِ: العَجَبَ العُجابَ. ووجدتُ كثيراً من المسلمين عندهمْ من الكسلِ والفتورِ والتَّواكُلِ والتَّخاذُلِ: ما اللهُ به عليمٌ، فأدركتُ عُمْق كلمةِ عُمَرَ - رضي اللهُ عنه -.
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27758
وَلَا يَسْتَقِيم الزّهْد
فِي الدُّنْيَا إِلَّا بعد نظرين صَحِيحَيْنِ نظر فِي الدُّنْيَا وَسُرْعَة زَوَالهَا وفنائها واضمحلالها ونقصها وخسّتها وألم الْمُزَاحمَة عَلَيْهَا والحرص عَلَيْهَا وَمَا فِي ذَلِك من الْغصَص والنغص والأنكاد وَآخر ذَلِك الزَّوَال والانقطاع مَعَ مَا يعقب من الْحَسْرَة والأسف فطالبها لَا يَنْفَكّ من هم قبل حُصُولهَا وهم حَال الظفر بهَا وغم وحزن بعد فَوَاتهَا فَهَذَا أحد النظرين
النّظر الثَّانِي النّظر فِي الْآخِرَة وإقبالها ومجيئها وَلَا بُد ودوامها وبقائها وَشرف مَا فِيهَا من الْخيرَات والمسرات والتفاوت الَّذِي بَينه وَبَين مَا هُنَا فهى كَمَال الله سُبْحَانَهُ {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأبقى} فَهِيَ خيرات كَامِلَة دائمة وَهَذِه خيالات نَاقِصَة مُنْقَطِعَة مضمحلة فَإِذا تمّ لَهُ هَذَانِ النظران آثر مَا يَقْتَضِي الْعقل إيثاره وزهد فِيمَا يَقْتَضِي الزّهْد فِيهِ فَكل أحد مطبوع على أَن لَا يتْرك النَّفْع العاجل واللذة الْحَاضِرَة إِلَى النَّفْع الآجل واللذة الغائبة المنتظرة الى إِذا تبين لَهُ فضل الآجل على العاجل وقويت رغبته فِي الْأَعْلَى الْأَفْضَل فَإِذا آثر الفاني النَّاقِص كَانَ ذَلِك إِمَّا لعدم تبين الْفضل لَهُ وَإِمَّا لعدم رغبته فِي الْأَفْضَل
وكل وَاحِد من الْأَمريْنِ يدل على ضعف الْإِيمَان وَضعف الْعقل والبصيرة فَإِن الرَّاغِب فِي الدُّنْيَا الْحَرِيص عَلَيْهِ الْمُؤثر لَهَا إِمَّا أَن يصدّق بِأَن مَا هُنَاكَ أشرف وَأفضل وَأبقى وَإِمَّا أَن لَا يصدّق بذلك كَانَ عادما للْإيمَان رَأْسا وَإِن صدّق بذلك وَلم يؤثره كَانَ فَاسد الْعقل سيء الِاخْتِيَار لنَفسِهِ وَهَذَا تَقْسِيم حَاضر ضَرُورِيّ لَا يَنْفَكّ العَبْد من أحد الْقسمَيْنِ مِنْهُ فإيثار الدُّنْيَا على الْآخِرَة
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27759
أنَّ الوليد بن المغيرةِ وأُمية بن خَلَفٍ والعاص بن وائل أنفقوا أموالهم في محاربةِ الرسالةِ ومجابهةِ الحقِ {فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ} . ولكنَّ كثيراً من المسلمين يبخلون بأموالِهمْ، لئلاَّ يُشاد بها منارُ الفضيلةِ، ويُبنى بها صرحُ الإيمانِ {وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} ، وهذا جَلَدُ الفاجِر وعجْزُ الثقةِ.
في مذكّراتِ (جولدا مائير) اليهوديةِ، بعنوان (الحقد) : فإذا هي في مرحلةٍ منْ مراحلِ حياتِها تعملُ ستَّ عشرة ساعةً بلا انقطاعٍ، في خدمةِ مبادئِها الضّالَّةِ وأفكارِها المنحرفةِ، حتى أوجدتْ مع (بن جوريون) دولةً، ومنْ شاء فلينظُرْ كتابها.
ورأيتُ ألوفاً منْ أبناءِ المسلمين لا يعملون ولو ساعةً واحدةً، إنما همْ في لهو وأكلٍ وشُربٍ ونومٍ وضياعٍ {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ} .
كان عمرُ دؤوباً في عمله ليلاً ونهاراً، قليل النوم. فقال أهلُه: ألا تنامُ؟ قال: لو نمتُ في اللّيلِ ضاعتْ نفْسِي، ولو نمتُ في النهارِ ضاعتْ رعيَّتِي.في مذكراتِ الهالكِ (موشى ديان) بعنوان (السيفُ والحكمُ) : كان يطيرُ من دولةٍ إلى دولةٍ، ومنْ مدينةٍ إلى مدينةٍ، نهاراً وليلاً، سرّاً وجهراً، ويحضرُ الاجتماعاتِ، ويعقدُ المؤتمراتِ، وينسِّقُ الصَّفقاتِ، والمعاهدات، ويكتبُ المذكّراتِ. فقلتُ: واحسرتاهُ، هذا جَلَدُ إخوانِ القردةِ والخنازيرِ، وذاك عَجْزُ كثيرٍ من المسلمين، ولكنْ هذا جلدُ الفاجرِ وعَجْزُ الثقةِ.
لو كنتُ منْ مازنٍ لم تستبِحْ إبِلي ... بنو اللَّقطيةِ مِنْ ذُهْلِ بنِ شيْبانا
لقدْ حارب عمرُ العطالة والبطالة والفراغ، وأخرج شباباً سكنوا المسجد، فضربهم وقال: اخرجوا واطلبوا الرِّزق، فإنَّ السماء لا تمطرُ ذهباً ولا فضةً. إنَّ مع الفراغ والعطالةِ: الوساوس والكدَرَ والمرضَ النفسيَّ والانهيارً العصبيَّ والهمَّ والغمَّ. وإنَّ مع العملِ والنشاطِ: السرور والحُبُور والسعادة. وسوف ينتهي عندنا القلقُ والهمُّ والغمُّ، والأمراضُ العقليَّةُ والعصبيَّةُ والنفسيَّةُ إذا قام كلٌّ بدورِهِ في الحياةِ، فعُمِلتِ المصانعُ، واشتغلتِ المعاملُ، وفتحتِ الجمعيّاتُ الخيريَّةُ والتعاونيَّةُ والدعويَّةُ، والمخيماتُ والمراكزُ والمُلتقياتُ الأدبيَّةُ، والدَّوراتُ العلميَّةُ وغَيْرُها.. {وَقُلِ اعْمَلُواْ} ، {فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} ، {سَابِقُوا} ، {وَسَارِعُواْ} ، ((وإن نبيَّ اللهِ داود كان يأكلُ من عملِ يدِه)) .
وللرّاشدِ كتابٌ، بعنوان (صناعةُ الحياةِ) ، تحدَّث عنْ هذهِ المسالةِ بإسهابٍ، وذَكَرَ أنَّ كثيراً من الناسِ لا يقومون بدورِهم في الحياةِ.وكثيرٌ من الناسِ أحياءٌ، ولكنَّهم كالأمواتِ، لا يُدركون سرَّ حياتِهم، ولا يُقدمون لمستقبلهم ولا لأُمَّتِهمْ، ولا لأنفسِهم خيراً {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ} ، {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ} .
إنَّ المرأة السوداء التي كانتْ تقُمُّ مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - قامتْ بدورِها في الحياةِ، ودخلتْ بهذا الدَّورِ الجنة {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} .
وكذلك الغلامُ الذي صَنَعَ المِنْبر للرسولِ - صلى الله عليه وسلم - أدَّى ما عليهِ، وكسب اجراً بهذا الأمرِ، لأنَّ موهلته في النّجارةِ {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ} .
سمحتِ الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيَّةُ عام 1985 م بدخولِ الدُّعاةِ المسلمين سجون أمريكا، لأنَّ المجرمين والمروِّجين والقَتَلَةَ، إذا اهتدَوْا إلى الإسلامِ، أصبحوا أعضاءً صالحين في مجتمعاتِهمْ {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} .
دعاءانِ اثنانِ عظيمانِ، نافعانِ لمنْ أراد السَّداد في الأمورِ وضبْطِ النفسِ عند الأحداثِ والوقائعِ.
الأولُ: حديثُ عليٍّ، أنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال لهُ: ((قُلْ: اللهمَّ اهدنِي وسدِّدْني)) . رواهُ مسلمٌ.
الثاني: حديثُ حُصيْن بن عبيدٍ، عند أبي داود: قال له - صلى الله عليه وسلم -: ((قلْ: اللَّهمَّ ألهمني رُشدْي، وقِني شرَّ نَفَّسي)) .
إذا لمْ يكنْ عونٌ من اللهِ للفتى ... فأكثرُ ما يجني عليه اجتهادُهُالتَّعلُّقُ بالحياة، وعشْقُ البقاءِ، وحبُّ العيْشِ، وكراهِيَةُ الموتِ، يُوردُ العبدَ: الكدَرَ وضِيقَ الصَّدرِ والمَلَقَ والقلق والأرق والرَّهق، وقد لام الله اليهود على تعلُّقِهم بالحياةِ الدنيا، فقال: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} .
وهنا قضايا، منها: تنكيرُ الحياةِ، والمقصودُ: أنَّها أيَّ حياةٍ، ولو كانتْ حياة البهائمِ والعجْماواتِ، ولو كانتْ شخصيةً رخيصةً فإنَّهمْ يحرصون عليها.
ومنها: اختيارُ لفظِ: ألفِ سنةٍ لأنَّ اليهوديَّ كان يلقى اليهوديَّ فيقولُ لهُ: عِمْ صباحاً ألف سنةٍ. أي: عِشْ ألف سنةٍ. فذكر سبحانهُ وتعالى أنهمْ يريدون هذا العمر الطويل، ولكنْ لو عاشوهُ فما النهايةُ؟! مصيرُهم إلى نارٍ تلظَّى {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ} .
منْ أحسنِ كلماتِ العامةِ: لا همَّ واللهُ يُدْعى.
والمعنى: أنَّ هناك إلهاً في السماءِ يُدعى، ويُطلبُ منهُ الخيْرُ، فلماذا تهتمّ أنت في الأرضِ، فإذا وكَّلت ربَّك بهمِّك، كشَفَه وأزاله {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} ، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} .
أخلِقْ بذي الصَّبرِ أنْ يحظى بحاجتِهِ ... ومُدْمِنِ القرْعِ للأبوابِ أن يلِجا
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27760
فتيقن حِينَئِذٍ أَن الْحَسَنَات من نعمه فتشكره عَلَيْهَا وتتضرّع إِلَيْهِ أَن لَا يقطعهَا عَنْك وَأَن السَّيِّئَات من خذلانه وعقوبته فتبتهل إِلَيْهِ أَن يحول بَيْنك وَبَينهَا وَلَا يكلك فِي فعل الْحَسَنَات وَترك السَّيِّئَات إِلَى نَفسك وَقد أجمع العارفون على أَن كل خير فأصله بِتَوْفِيق الله للْعَبد وكل شَرّ فأصله خذلانه لعَبْدِهِ وَأَجْمعُوا أَن التَّوْفِيق أَن لَا يكلك الله نفسكوان الخذلان أَن يخلي بَيْنك وَبَين نَفسك فَإِذا كَانَ كل خير فأصله التَّوْفِيق وَهُوَ بيد الله إِلَى نَفسك وَأَن لَا بيد العَبْد فمفتاحه الدُّعَاء والافتقار وَصدق اللجأ وَالرَّغْبَة والرهبة إِلَيْهِ فَمَتَى أعْطى العَبْد هَذَا الْمِفْتَاح فقد أَرَادَ أَن يفتح لَهُ وَمَتى أضلّه عَن الْمِفْتَاح بَقِي بَاب الْخَيْر مُرْتَجًا دونه
قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب إِنِّي لَا أحمل هم الْإِجَابَة وَلَكِن هم الدُّعَاء فَإِذا ألهمت الدُّعَاء فَإِن الْإِجَابَة مَعَه وعَلى قدرنية العَبْد وهمته وَمرَاده ورغبته فِي ذَلِك يكون توفيقه سُبْحَانَهُ وإعانته فالمعونة من الله تنزل على الْعباد على قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم والخذلان ينزل عَلَيْهِم على حسب ذَلِك فَالله سُبْحَانَهُ أحكم الْحَاكِمين وَأعلم الْعَالمين يضع التَّوْفِيق فِي موَاضعه اللائقة بِهِ والخذلان فِي موَاضعه اللائقة بِهِ هُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم وَمَا أُتِي من أُتِي إِلَّا من قِبَل إِضَاعَة الشُّكْر وإهمال الافتقار وَالدُّعَاء وَلَا ظفر من ظفر بِمَشِيئَة الله وعونه إِلَّا بقيامه بالشكر وَصدق الافتقار وَالدُّعَاء وملاك ذَلِك الصَّبْر فَإِنَّهُ من الْإِيمَان بِمَنْزِلَة الرَّأْس من الْجَسَد فَإِذا قطع الرَّأْس فَلَا بَقَاء للجسد مَا ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة الْقلب والبعد عَن الله خلقت النَّار لإذابة الْقُلُوب القاسية أبعد الْقُلُوب من الله الْقلب القاسي إِذا قسي الْقلب قحطت الْعين قسوة الْقلب من أَرْبَعَة أَشْيَاء إِذا جَاوَزت قدر الْحَاجة الْأكل وَالنَّوْم وَالْكَلَام والمخالطة كَمَا
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27761
رأيتُ موقفيْنِ مُؤثِّريْنِ مُعبِّريْنِ للشيخِ علي الطنطاويِّ في مذكّراتهِ:
الموقفُ الأولُ: تحدَّثَ عن نفسِه وكاد يغرقُ على شاطئِ بيروت، حينما كان يسبحُ فأشرف على الموتِ، وحُمِل مَغْمِيّاً عليهِ، وكان في تلك اللحظاتِ يُذعِنُ لمولاهُ، ويودُّ لو عادَ ولو ساعةً إلى الحياةِ، ليجدِّد إيمانه وعملهُ الصّالح، فيَصلِ الإيمانُ عنده منتهاه.
والموقفُ الثاني: ذَكَرَ أنه قدِم في قافلةٍ منْ سوريا إلى بيتِ اللهِ العتيقِ، وبينما هو في صحراءِ تبوك ضلُّوا وبَقُوا ثلاثة أيام، وانتهى طعامُهُم واشرابُهُم، وأشرفوا على الموتِ، فقام وألقى في الجموعِ خطبة الوداعِ من الحياةِ، خطبةً توحيديَّة حارَّةً رنَّانة، بكى وأبكى الناس، وأحسَّ أنَّ الإيمان ارتفع، وأنه ليس هناك مُعينٌ ولا مُنقذٌ إلا اللهُ جلَّ في علاه {يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} .
يقولُ سبحانهُ وتعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} .
إنَّ الله يحبُّ المؤمنين الأقوياء الذين يتحدَّون أعداءهم بصبرٍ وجلادةٍ، فلا يهِنون، ولا يُصابون بالإحباطِ واليأسِ، ولا تنهارُ قواهُم، ولا يستكينون للذِّلَّةِ والضعْفِ والفشلِ، بل يصمُدون ويُواصلون ويُرابطون، وهي ضريبةُ إيمانِهم بربِّهم وبرسولِهمْ وبدينِهمْ ((المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ والضَّعيفِ وفي كلٍّ خيرٌ)) .
:
هلْ أنتِ إلا إصْبَعٌ دَمِيتِ ... وفي سبيلِ الله ما لقِيتِ
ووضع أبو بكرٍ إصبعهُ في ثَقْبِ الغارِ ليحمي بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - من العقربِ، فلُدغ، فقرأ عليها - صلى الله عليه وسلم - فبرئتْ بإذِن اللهِ.
قال رجلٌ لعنترة: ما السِّرُّ في شجاعتِك، وأنك تغِلبُ الرِّجال؟ قال: ضعْ إصبعك في فمي، وخُذ إصبعي في فمك. فوضعها في فمِ عنترة، ووضَعَ عنترةُ إصبعه في فمِ الرَّجلِ، وكلٌّ عضَّ إصبع صاحبِه، فصاح الرجلُ من الألم، ولم يصبرْ فأخرجَ له عنترةُ إصبعه، وقال: بهذا غلبتُ الأبطال. أي بالصَّبرِ والاحتمالِ.
إنَّ ممَّ يُفرحُ المؤمن أن لُطفَ اللهِ ورحمته وعفوه قريبٌ منه، فيشعرُ برعايةِ اللهِ وولايتِهِ بحسبِ إيمانِهِ. والكائناتُ والأحياءُ والعجماواتُ والطيورُ والزواحفُ تشعرُ بأنَّ لها ربّاً خالِقاً ورازقاً {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} .
يا ربّ حمداً ليس غيرُك يُحمدُ ... يا منْ لهُ كُلُّ الخلائِقِ تصْمدُ
عندنا، العامَّةُ وَقْتَ الحرْثِ يرمون الحبَّ بأيديهمْ في شقوقِ الأرضِ، ويهتفون: حبٌّ يابسٌ، في بلدٍ يابسٍ، بين يديك يا فاطر السماوات والأرضِ {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ {63} أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} . إنَّها نزعةُ توحيدِ البري، وتوجُّهُ إليهِ، سبحانه وتعالى.قام الخطيبُ المِصْقعُ عبدُالحميدِ كشكُ - وهو أعمى - فلمَّا علا المِنْبرَ، أخرج منْ جيبهِ سعفة نخلٍ، مكتوبٌ عليها بنفسِها: اللهُ، بالخطِّ الكوفيِّ الجميلِ، ثم هَتَفَ في الجموعِ:
انظُرْ لتلك الشَّجرهْ ... ذاتِ الغُصُونِ النَّضِرهْ
منِ الذي أنبتها ... وزانها بالخضِرهْ
ذاك هو اللهُ الذي ... قُدرتُه مُقْتدِرهْ
ي
قُول على الله غير الْحق فِي فتواه وَحكمه فِي خَبره وإلزامه لِأَن أَحْكَام الرب سُبْحَانَهُ كثيرا مَا تَأتي على خلاف أغراض النَّاس وَلَا سِيمَا أهل الرياسة وَالَّذين يتبعُون الشُّبُهَات فَإِنَّهُم لَا تتمّ لَهُم أغراضهم إِلَّا بمخالفة الْحق وَدفعه كثيرا فَإِذا كَانَ الْعَالم وَالْحَاكِم محبين للرياسة متبعين للشهوات لم يتم لما ذَلِك إِلَّا بِدفع مَا يضاده من الْحق وَلَا سِيمَا إِذا قَامَت لَهُ شُبْهَة فتتفق الشُّبْهَة والشهوة ويثور الْهوى فيخفى الصَّوَاب وينطمس وَجه الْحق وَإِن كَانَ الْحق ظَاهرا لَا خَفَاء بِهِ وَلَا شبة فِيهِ أقدم على مُخَالفَته وَقَالَ لي مخرج بِالتَّوْبَةِ وَفِي هَؤُلَاءِ وأشباههم قَالَ تَعَالَى {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَات} وَقَالَ تَعَالَى فيهم أَيْضا فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سيغفر لنا وَإِن يَأْتِيهم عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تعقلون فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنهم أخذُوا الْعرض الْأَدْنَى مَعَ علمهمْ بِتَحْرِيمِهِ عَلَيْهِم وَقَالُوا سيغفر لنا وَإِن عرض لَهُم عرض آخر أَخَذُوهُ فهم مصرون على ذَلِك وَذَلِكَ هُوَ الْحَامِل لَهُم على أَن يَقُولُوا على الله غير الْحق فَيَقُولُونَ هَذَا حكمه وشرعه وَدينه وهم يعلمُونَ أَن دينه وشرعه وَحكمه خلاف ذَلِك أَولا يعلمُونَ أَن ذَلِك دينه وشرعه وَحكمه فَتَارَة يَقُولُونَ على الله مَالا يعلمُونَ وَتارَة يَقُولُونَ عَلَيْهِ مَا يعلمُونَ بُطْلَانه
وَأما الَّذين يَتَّقُونَ فيعلمون أَن الدَّار الْآخِرَة خير من الدُّنْيَا فَلَا يحملهمحب الرياسة والشهوة على أَن يؤثروا الدُّنْيَا على الْآخِرَة وَطَرِيق ذَلِك أَن يَتَمَسَّكُوا بِالْكتاب وَالسّنة ويستعينوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة ويتفكروا
إنهُ فاطرُ السماواتِ والأرضِ مرسومةٌ آياتُه في الكائناتِ، تنطقُ بالوحدانيَّةِ والصَّمديةِ والربوبيَّةِ والألوهيَّةِ {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً} .
منْ دعائمِ السرورِ والارتياحِ، أنْ تشْعُرَ أنَّ هناك ربّاً يرحمُ ويغفرُ ويتوبُ على منْ تاب، فأبشِرْ برحمةِ ربِّك التي وسعتِ السماواتِ والأرض، قال سبحانه: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} ، وما أعظم لطفهُ سبحانه وتعالى، وفي حديثٍ صحيحٍ: أنَّ أعرابيّاً صلًّى مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فلمَّا أصبح في التَّشهُّدِ قال: اللهمَّ ارحمني ومحمداً، ولا ترحمْ معنا أحداً. قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لقدْ حجرت واسعاً)) . أي: ضيَّقت واسعاً، إنَّ رحمة الهِ وسعتْ كلَّ شيءٍ {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} ، ((اللهُ أرحمُ بعبادِهِ منْ هذهِ بولدِها)) .
أحرق رجلٌ نفسه بالنارِ فراراً منْ عذابِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فجمعه سبحانه وتعالى وقال له: ((يا عبْدِي، ما حَمَلَك على ما صنعت؟ قال: يا ربِّ، خِفْتُك، وخشيتُ ذنوبي. فأدخلهُ اللهُ الجنّة)) . حديثٌ صحيحٌ.
{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى {40} فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} .حاسب اللهُ رجلاً مُسرفاً على نفسِه موحِّداً، فلمْ يجدْ عندهُ حسَنَةً، لكنَّه كان يُتاجرُ في الدنيا، ويتجاوزُ عنِ المُعْسِرِ، قال اللهُ: نحنُ أولْى بالكرمِ منك، تجاوزوا عنهُ. فأدخله اللهُ الجنّة.
{وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} ، {لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ} .
عند مسلمٍ: أنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - صلَّى بالناسِ، فقام رجلٌ فقال: أصبْتُ حدّاً، فأقِمْهُ عليَّ. قال: ((أصليت معنا؟)) . قال: نعمْ. قال. ((اذهبْ فقد غُفِر لك)) .
{وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيماً} .
هناك لُطفٌ خفيٌّ يكْتنف العبدَ، مِنْ أمامِهِ ومنْ خلفه، وعن يمينهِ وعنْ شمالِهِ، ومِنْ فوقِه ومنْ تحتِ قدميْهِ، صاحبُ اللُّطفِ الخفيِّ هو اللهُ ربُّ العالمين، انطبقتْ عليهمُ الصَّخْرةُ في الغارِ، وأنْجى إبراهيم من النارِ، وأنجى موسى من الغرقِ، ونُوحاً من الطُّوفانِ، ويوسف من الجُبِّ وأيوب من المرضِ.
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27765
عن أمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالتْ: سمعتُ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: ((ما منْ مسلمٍ تُصيبُه مصيبةٌ، فيقولُ ما أمره اللهُ: {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} اللَّهمَّ اجُرْني في مصيبتي وأخلفْ لي خيراً منْها؛ إلاَّ أخلف اللهُ لهُ خيراً منْها)) .قال الشاعرُ:
خليليَّ لا واللهِ ما مِنْ مُلِمَّةٍ ... تدُومُ على حيٍّ وإنْ هِي جلَّتِ
فإنْ نزلتْ يوماً فلا تخْضَعَنْ لها ... ولا تُكثِر الشَّكْوى إذا النَّعلُ زلَّتِ
فكمْ مِنْ كريمٍ قدْ بُليْ بنوائبٍ ... فصابرها حتى مضتْ واضمحلَّتِ
وكانتْ على الأيامِ نفسي عزيزةً ... فلمَّا رأتْ صبري على الذُّلِّ ذلَّتِ
وقال آخر:
يضيقُ صدري بغمٍّ عند حادِثةٍ ... ورُبَّما خِير لي في الغمِّ أحيانا
ورُبَّ يومٍ يكونُ الغمُّ أوَّلهُ ... وعند آخرِه روْحاً وريْحانا
ما ضِقتُ ذرْعاً عند نائِبةٍ ... إلاَّ ولي فرجٌ قد حلَّ أوْ حانا
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27766
فآفته من إعراضه عَن الْعلم وَأَحْكَامه وَغَلَبَة خياله وذوقه ووجده وَمَا تهواه نَفسه وَلِهَذَا قَالَ سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة وَغَيره احْذَرُوا فتْنَة الْعَالم الْفَاجِر وفتنة العابد الْجَاهِل فَإِن فتنتهما فتْنَة لكل مفتون فَهَذَا بجهله يصد عَن الْعلم وموجبه وَذَاكَ بغيّه يَدْعُو إِلَى الْفُجُور وَقد ضرب الله سُبْحَانَهُ مثل النَّوْع الآخر بقوله {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا}أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خلدين فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمين وقصته مَعْرُوفَة فَإِنَّهُ بنى أساس أمره على عبَادَة الله بِجَهْل فأوقعه الشَّيْطَان بجهله وكفّره بجهله فَهَذَا إِمَام كل عَابِد جَاهِل يكفر وَلَا يدْرِي وَذَاكَ إِمَام كل عَالم فَاجر يخْتَار الدُّنْيَا على الْآخِرَة وَقد جعل سُبْحَانَهُ رضى العَبْد بالدنيا وطمأنينته وغفلته عَن معرفَة آيَاته وتدبرها وَالْعَمَل بهَا سَبَب شقائه وهلاكه وَلَا يجْتَمع هَذَانِ أعنى الرضى بالدنيا والغفلة عَن آيَات الرب إِلَّا فِي قلب من لَا يُؤمن بالمعاد وَلَا يَرْجُو لِقَاء رب الْعباد وَإِلَّا فَلَو رسخ قدمه فِي الْإِيمَان بالمعاد لما رَضِي الدُّنْيَا وَلَا اطْمَأَن إِلَيْهَا وَلَا أعرض عَن آيَات الله وَأَنت إِذا تَأَمَّلت أَحْوَال النَّاس وجدت هَذَا الضَّرْب هُوَ الْغَالِب على النَّاس وهم عمّار الدُّنْيَا وَأَقل النَّاس عددا من هُوَ على خلاف ذَلِك وَهُوَ من أَشد النَّاس غربَة بَينهم لَهُم شَأْن وَله شَأْن علمه غير علومهم وإرادته غير إرادتهم وَطَرِيقه غير طريقهم فَهُوَ فِي وَاد وهم فِي وَاد قَالَ تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}
ثمَّ ذكر وصف ضد هَؤُلَاءِ ومآلهم وعاقبتهم بقوله {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جنَّات النَّعيم} فَهَؤُلَاءِ إِيمَانهم بلقاء الله أورثهم عدم الرِّضَا بالدنيا والطمأنينة إِلَيْهَا ودوام ذكر آيَاته فَهَذِهِ مَوَارِيث الْإِيمَان بالمعاد وَتلك مَوَارِيث عدم الْإِيمَان بِهِ والغفلة عَنهُ
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27767
رأيتُ في أوّلِ ديوانِ حاتمٍ الطّائيِّ كلمةً جميلةً لهُ، يقولُ فيها: إذا كان تركُ الشَّرِّ يكفيك، فدَعْهُ.
ومعناهُ: إذا كان يسع السُّكوتُ عنِ الشَّرِّ واجتنابُه، فحسبُه بذلك {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} ، {وَدَعْ أَذَاهُمْ} .
محبَّةُ للناسِ موهبةٌ ربَّانيَّةٌ، وعطاءٌ مباركٌ من الفتَّاحِ العليمِ.
يقول ابنُ عباسٍ متحدِّثاً بنعمةِ اللهِ عزَّ وجلَّ: فيَّ ثلاثُ خصالٍ: ما نزل غيثٌ بأرضٍ، إلاَّ حمدتُ الله وسُررتُ بذلك، وليس لي فيها شاةٌ ولا بعيرٌ. ولا سمعتُ بقاضٍ عادلٍ، إلاَّ دعوتُ الله له، وليس عنده لي قضيَّةٌ. ولا عَرَفتُ آيةً منْ كتابِ اللهِ، إلاَّ ودِدتُ أنَّ الناس يعرفون منها ما أعرفُ.إنه حُبُّ الخيرِ للناسِ، وإشاعةُ الفضيلةِ بينهمْ وسلامةُ الصَّدرِ لهمْ، والنَّصْحُ كلُّ النصحِ للخليقةِ.
يقولُ الشاعرُ:
فلا نزلتْ علىَّ ولا بأرضي ... سحائِبُ ليس تنْتَظِمُ البلادا
المعنى: إذا لم تكنِ الغمامةُ عامَّةً، والغيْثُ عامّاً في الناسٍ، فلا أريدُها أنْ تكون خاصَّةً بي، فلستُ أنانيّاً {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ}
ألا يُشجيك قوْلُ حاتمٍ، وهو يتحدَّثُ عنْ رُوحِه الفيَّاضةِ، وعن خلقِهِ الجمِّ:
أما والذي لا يعلمُ الغيب غيرُهُ ... ويُحْيي العِظام البيض وهْي رميمُ
لقدْ كنتُ أطوِي البطن والزَّادُ يُشتهى ... مخافة يومٍ أن يُقالَ لئيمُ
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27768
لِيهْنِك العِلْمُ إذا دلَّك على اللهِ. {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ} . إنَّ هناك علماً إيمانيّاً، وعلماً كافراً، يقولُ سبحانه وتعالى عنْ أعدائِهِ: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} . ويقول عنهم: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمِونَ} . ويقولُ عنهم {ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ....} .ويقولُ جلَّ وعلا: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ {175} وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} . وقال سبحانه وتعالى عنِ اليهودِ وعنْ علمِهم: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} : إنَّه علمٌ لكنَّه لا يهدي، وبرهانٌ لا يشفي، وحجَّةٌ ليستْ قاطعةً ولا فالجِةً، ونَقْلٌ ليس بصادِقٍ، وكلامٌ ليس بحقٍّ، ودلالةٌ ولكن إلى الانحرافِ، وتوجُّهٌ ولكن إلى غيٍّ، فكيف يجدُ أصحابُ هذا العلمِ السعادة، وهمْ أوَّلُ منْ يسحقُها بأقدامِهم: {فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} ، {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} .
رأيتُ مئاتِ الألوفِ من الكتبِ الهائلةِ المذهلةِ في مكتبةِ الكونجرس بواشنطن، في كلِّ فنٍّ، وفي كلِّ تخصُّصٍ، عنْ كلِّ جيلٍ وشعبٍ وأُمةٍ وحضارةٍ وثقافةٍ، ولكنَّ الأمة التي تحتضنُ هذه المكتبة العظمى، أُمَّةٌ كافرةٌ بربِّها، إنها لا تعلمُ إلا العالم المنظور المشهود، وأمّا ما وراء ذلك فلا سمْع ولا بَصَرَ ولا قلْبَ ولا وَعْيَ {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ} .
إن الرَّوضَ أخْضَرُ، ولكنَّ العنْزَ مريضةٌ، وإنَّ التَّمْرَ مقفزيٌّ، ولكنّ البُخل مرْوزِيٌّ، وإن الماء عذْبٌ زُلالٌ، ولكن في الفم مرارةً {كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} . {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ}
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27769
إنَّ ممَّا يشرحُ الصدر: كثْرةُ المعرفةِ، وغزارةُ المادّةِ العلميَّةِ، واتِّساعُ الثقافةِ، وعُمقُ الفكرِ، وبُعدُ النَّظْرةِ، وأصالةُ الفهْمِ، والغوْصُ على الدليلِ، ومعرفةُ سرِّ المسألةِ، وإدراكُ مقاصدِ الأمورِ، واكتشافُ حقائقِ الأشياءِ {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} ، {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ} . إنَّ العالِم رحْب الصدرِ، واسع البالِ، مطمئنّ النفْسِ، منشرحُ الخاطرِ..
يزيدُ بكثْرةِ الإنفاقِ منهُ ... وينقصُ إنْ به كفّاً شددْتا
يقولُ أحد مفكَّري الغربِ: لي ملفٌّ كبيرٌ في درجِ مكتبي، مكتوبٌ عليه: حماقاتٌ ارتكبتُها، أكتبُه لكلِّ سقطاتِ وتوافه وعثراتٍ أُزاولُها في يومي وليلتي، لأتخلَّص منها.
قلت: سبقك علماءُ سلفِ هذه الأُمَّةِ بالمُحاسبةِ الدقيقةِ والتَّنْقيبِ المُضني لأنفسِهم {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} .
قال الحسنُ البصريُّ: المسلمُ لنفسِهِ أشدُّ مُحاسَبَةً من الشريكِ لشريكِهِ.
وكان الربيعُ بنُ خُثيْمٍ يكتُبُ كلامهُ من الجمعةِ إلى الجمعةِ، فإنْ وَجَدَ حسنةً حمِد الله، وإنْ وَجَدَ سيِّئةً استغفر.وقال أحدُ السلفِ: لي ذنبٌ منْ أربعين سنةً، وأنا أسألُ الله أنْ يغفرهُ لي، ولا زلتُ أُلحُّ في طلبِ المغفرةِ {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} .
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27770
وحصلته الْقُلُوب العَبْد ونال بِهِ
العَبْد الرّفْعَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة هُوَ الْعلم وَالْإِيمَان وَلِهَذَا قرن بَينهمَا سُبْحَانَهُ فِي قَوْله {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْم الْبَعْث} وَقَوله {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات} وهؤلاهم خُلَاصَة الْوُجُود ولبه والمؤهلون للمراتب الْعَالِيَة وَلَكِن أَكثر النَّاس غالطون فِي حَقِيقَة مُسَمّى الْعلم وَالْإِيمَان اللَّذين بهماالسَّعَادَة والرفقة وَفِي حقيقتهما حَتَّى أَن كل طَائِفَة تظن أَن مَا مَعهَا من الْعلم وَالْإِيمَان هُوَ هَذَا الَّذِي بِهِ تنَال السَّعَادَة وَلَيْسَ كَذَلِك بل أَكْثَرهم لَيْسَ مَعَهم إِيمَان يُنجي وَلَا علم يرفع بل قد سدوا على نُفُوسهم طرق الْعلم وَالْإِيمَان اللَّذين جَاءَ بهما الرَّسُول ودعا إِلَيْهِمَا الْأمة وَكَانَ عَلَيْهِمَا هُوَ وَأَصْحَابه من بعده وتابعوهم على منهاجهم وآثارهم
فَكل طَائِفَة اعتقدت أَن الْعلم مَا مَعهَا وفرحت وتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لديهم فَرِحُونَ وَأكْثر مَا عِنْدهم كَلَام وآراء وخرص وَالْعلم وَرَاء الْكَلَام كَمَا قَالَ حمّاد بن زيد قلت لأيوب الْعلم الْيَوْم أَكثر أَو فِيمَا تقدّم فَقَالَ الْكَلَام الْيَوْم أَكثر وَالْعلم فِيمَا تقدم أَكثر
فَفرق هَذَا الراسخ بَين الْعلم وَالْكَلَام فالكتب كَثِيرَة جدا وَالْكَلَام والجدال والمقدرات الذهنية كَثِيرَة وَالْعلم بمعزل عَن أَكْثَرهَا وَهُوَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول عَن الله قَالَ تَعَالَى
{فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ من الْعلم} وَقَالَ
وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَك من لعلم وَقَالَ فِي الْقُرْآن أنزلهُ بِعِلْمِهِ أَي وَفِيه علمه
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27771
احتفظِ بمذكّرةٍ لديك، لتُحاسب بها نفْشك، وتذكر فيها السلبيَّاتِ الملازمة لك، وتبدأ بذكْر التَّقدُّمِ في معالجتِها.
قال عمرُ: حاسِبوا أنفُسكُمْ قبل أنْ تُحاسبوا، وزِنُوها قبل أن تُوزنوا، وتزيَّنوا للعرضِ الأكبرِ.
ثلاثةُ أخطاءٍ تتكرَّرُ في حياتِنا اليومية:
الأولُ: ضياعُ الوقتِ.
الثاني: التَّكلُّمُ فيما لا يعني: ((مِنْ حُسْنِ إسلامِ المرءِ تركهُ ما لا يعنيهِ)) .
الثالثُ: الاهتمامُ بتوافِهِ الأمورِ، كسماعِ تخويفاتِ المُرجِفين، وتوقُّعاتِ المثبِّطين، وتوهُّماتِ المُوسوسِين، كَدَرٌ عاجلٌ، وهمٌّ معجَّلٌ، وهو منْ عوائقِ السعادةِ وراحةِ البالِ.
يقولُ امرؤُ القيسِ:
ألا عِمْ صباحاً أيها الطَّللُ البالي ... وهلْ يعِمنْ منْ كان في العُصُر الخالي
وهلْ يعِمنْ إلا سعيدٌ منعَّمٌ ... قليلُ الهموم لا يبِيتُ بأوجالِعلَّم الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - عمَّ العباس دعاءً يجمعُ سعادة الدنيا والآخرةِ، وهو قولُه - صلى الله عليه وسلم -: ((اللهم إني أسألُك العَفْوَ والعافية)) .
وهذا جامعٌ مانعٌ شافٍ كافٍ فيه خيرُ العاجلِ والآجلِ.
{فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ} ، {فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} .
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27772
منْ سعادةِ العبدِ اخْذُ الحَيْطةِ واستعمالُ الأسبابِ، مع التَّوكُّلِ على اللهِ عزَّ وجلَّ، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بارز في بعضِ الغزواتِ وعليه دِرعٌ، وهو سيِّدُ المتوكَّلين، وقال لأحدِهم لما قال له: أعقِلُها يا رسول اللهِ، أوْ أتوكَّلُ؟ قال: ((اعقِلها وتوكَّل)) .
فالأخْذُ بالسببِ والتَّوكُّلُ على اللهِ قُوامُ التوحيدِ، وترْكُ السبب مع التوكُّلِ على اللهِ قدْحٌ في الشرعِ، وأخذُ السببِ مع ترْكِ التوكُّلِ على اللهِ قَدْحٌ في التوحيدِ.
وذَكَرَ ابنُ الجوزيِّ في هذا: أنَّ رجلاً قصَّ ظفره، فاستفحل عليه فمات، ولم يأخُذْ بالحيْطةِ.
ورجُلٌ دَخَلَ على حمارٍ منْ سردان، فهصر بطنهُ فمات.وذكروا عنْ طه حسين - الكاتبِ المصريِّ - أنه قال لسائقِهِ: لا تُسرعْ حتى نصِل مبكِّرين.
وهذا معنى مثلٍ: رُبَّ عجلةٍ تهبُ ريْثاً.
قال الشاعرُ:
قد يُدرِكُ المُتأنِّي بعض حاجتِه ... وقدْ يكونُ مع المتعجِّلِ الزَّللُ
فالتَّوقِّي لا يُعارضُ القدر، بلْ هو منهُ، ومنْ لُبِّهِ {وَلْيَتَلَطَّفْ} ، {تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} .
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27773
ومنْ سعادةِ العبدِ قُدرتُه على كسْبِ الناس، واستجلاب محبَّتِهم وعطفِهم، قال إبراهيمُ عليه السلامُ: {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} ، قال المفسرون: الثّناءُ الحسنُ. وقال سبحانه وتعالى عنْ موسى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي} . قال بعضُهم: ما رآك أحدٌ إلا أحبَّك.
وفي الحديثِ الصحيحِ: ((أنتم شهداءُ اللهِ في الأرض)) . وألسنةُ الخلْقِ أقلامُ الحقِّ.
وصحَّ: ((أن جبريل يُنادي في أهلِ السماءِ: إنَّ يحبُّ فلاناً فأحبُّوه، فيُحبُّهُ أهلُ السماءِ، ويُوضعُ له القبُول في الأرضِ)) .ومنْ أسبابِ الودِّ: بسْطةُ الوجهِ ولِينُ الكلامِ وسَعَةُ الخُلقُ.
إنَّ منْ العواملِ القويةِ في جلْبِ أرواحِ الناسِ إليك: الرِّفقُ؛ ولذلك يقولُ - صلى الله عليه وسلم -: ((ما كان الرِّفقُ في شيءٍ إلا زانه، وما نُزع منْ شيءٍ إلا شانهُ)) .
ويقول: ((من يُحرم الرفق، يُحرم الخير كلّه)) .
قال أحد الحكماء: الرفق يُخرج الحيَّة من جُحْرها.
قال الغربيُّون: اجْنِ العسل، ولا تَكْسِرِ الخلِيَّة.
وفي الحديثِ الصحيحِ: ((المؤمُن كالنَّحْلةِ تأكلُ طيِّباً، وتضعُ طيّباً، وإذا وقعتْ على عودٍ، لم تكسِرْهُ)) .
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27774
وممَّا يجلُب الفرح والسُّرور: الأسْفارُ والتَّنقُّلُ في الدِّيارِ ورؤيةُ الأمصارِ، وقد سبقتْ كلمةٌ في أوّل هذا الكتابِ عنْ هذا. قال سبحانه: {انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ، {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا} ، {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ} .
قال الشاعرُ:
ولا تلبثْ بِربْعٍ فيه ضيْمٌ ... يُذيبُ القلب إلا إنْ كُبِلْتا
وغرِّبْ فالتَّغرُّبُ فيه نفْعٌ ... وشرِّقْ إنْ بِرِِيِقك قدْ شرِقْتاومنْ يقرأْ رحلة ابنِ بطُّوطة، على ما فيها من المبالغاتِ، يجِدِ العَجَبَ العجاب مِن خلْقِ اللهِ سبحانه وتعالى، وتصريفِه في الكونِ، ويرى أنها من العِبر العظيمةِ للمؤمنِ، ومن الراحةِ له أنْ يسافر، وأنْ يغِّيرَ أجواءه ومكانه ومحلَّه، لقرأ في هذا الكتابِ الكونيِّ المفتوحِ.
يقولُ أبو تمام - وهو يتحدَّث عن التنقلِ في الدِّيارِ -:
بالشَّامِ أهلي وبغدادُ الهوى وأنا ... بالرَّقْمتينِ وبالفسطاطِ جِيراني
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ} ، {فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ} ، {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ} ، {حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27775
من تَركهَا لغيرالله فَأَما من تَركهَا صَادِقا مخلصا من قلبه لله فانه لَا يجد فِي تَركهَا مشقة إِلَّا فِي أول وهلة ليمتحن أصادق هُوَ فِي تَركهَا أم كَاذِب فان صَبر على تِلْكَ الْمَشَقَّة قَلِيلا استحالت لَذَّة قَالَ ابْن سِيرِين سَمِعت شريحا يحلف بِاللَّه مَا ترك عبد لله شَيْئا فَوجدَ فَقده وَقَوْلهمْ من ترك لله شَيْئا عوضه الله خيرا مِنْهُ حق والعوض أَنْوَاع مُخْتَلفَة وأجلّ مَا يعوض بِهِ الْأنس بِاللَّه ومحبته وطمأنينة الْقلب بِهِ وقوته ونشاطه وفرحه وَرضَاهُ عَن ربه تَعَالَى
أغبى النَّاس من ضل فِي آخر سَفَره وَقد قَارب الْمنزل الْعُقُول المؤيدةبالتوفيق ترى أَن مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول هُوَ الْحق الْمُوَافق لِلْعَقْلِ وَالْحكمَة والعقول المضروبة بالخذلان ترى الْمُعَارضَة بَين الْعقل وَالنَّقْل وَبَين الْحِكْمَة وَالشَّرْع أقرب الْوَسَائِل إِلَى الله مُلَازمَة السّنة وَالْوُقُوف مَعهَا فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن ودوام الافتقار إِلَى الله وَإِرَادَة وَجهه وَحده بالأقوال وَالْأَفْعَال وَمَا وصل أحد إِلَى الله إِلَّا من هَذِه الثَّلَاثَة وَمَا انْقَطع عَنهُ أحد إِلَّا بانقطاعه عَنْهَا أَو عَن أَحدهَا الْأُصُول الَّتِي انبنى عَلَيْهَا سَعَادَة العَبْد ثَلَاثَة وَلكُل وَاحِد مِنْهَا ضد فَمن فقد ذَلِك الأَصْل حصل على ضِدّه التَّوْحِيد وضده الشّرك وَالسّنة وضدها الْبِدْعَة وَالطَّاعَة وضدها الْمعْصِيَة ولهذه الثَّلَاثَة ضد وَاحِد وَهُوَ خلو الْقلب من الرَّغْبَة فِي الله وَفِيمَا عِنْده وَمن الرهبة مِنْهُ وَمِمَّا عِنْده
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27776
ومما يُسعدُ النَّفْس ويشرحُ الصدر: قيامُ الليلِ.
وقدْ ذكر - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح: أنَّ العبد إذا قام من الليلِ، وذكر الله، ثم توضَّأ وصلَّى، أصبح نشيطاً طيِّب النفْسِ. {كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} ، {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} .
وقيامُ الليلِ يُذهبُ الدّاء عن الجسدِ، وهو حديثٌ صحيحٌ عند أبي داود: ((يا عبد الله، لا تُكنْ مثْل فلانٍ، كان يقومُ الليل، فتَركَ قيامَ الليلِ)) ، ((نِعْمَ الرجلُ عبدُاللهِ لو كان يقومُ من الليلِ)) .لا تأسفْ على الأشياءِ الفانيةِ، كلُّ شيءٍ في هذه الحياةِ فانٍ إلا وجْههُ سبحانه وتعالى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} ، {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ {26} وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} .
إنَّ الإنسان الذي يأسفُ على دنياه، كالطِّفلِ الذي يبكي على فقْدِ لعبتِهِ.
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=27777
- وَمِنْهُ: عَكْسُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مدا} وَالتَّقْدِيرُ: مَدَّهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا
وَقَوْلِهِ: {اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا ولنحمل خطاياكم} أَيْ: نَحْمِلُ
قَالَ الْكَوَاشِيُّ: وَالْأَمْرُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ أَبْلُغُ مِنَ الْخَبَرِ لِتَضَمُّنِهِ اللُّزُومَ نَحْوُ إِنْ زُرْتِنَا فَلْنُكْرِمْكَ يُرِيدُونَ تَأْكِيدَ إِيجَابِ الْإِكْرَامِ عَلَيْهِمْ كَذَا قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ مَقْصُودُهُ تَأْكِيدُ الْخَبَرِ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِيجَابِ يُشْبِهُ الْخَبَرَ فِي إِيجَابِهِ
وَجَعَلَ الْفَارِسِيُّ مِنْهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كن فيكون} قَالَ: {كُنْ} لَفْظُهُ أَمْرٌ وَالْمُرَادُ الْخَبَرُ وَالتَّقْدِيرُ: يَكُونُ فَيَكُونُ أَوْ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: فَهُوَ يَكُونُ قَالَ: وَلِهَذَا أَجْمَعَ الْقُرَّاءُ عَلَى رَفْعِ {فَيَكُونُ} وَرَفَضُوا فِيهِ النَّصْبَ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ وَسَوَّغَ النَّصْبُ لِكَوْنِهِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ قَالَ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى {نَقُولَ} فَيَجِيءُ النَّصْبِ على الفعل المنصوب لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَطَّرِدُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} إِذْ لَا يَسْتَقِيمُ هُنَا الْعَطْفُ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ {قال} ماض
و {يكون} مُضَارِعًا فَلَا يُحْسِنُ عَطْفُهُ عَلَيْهِ لِاخْتِلَافِهِمَا
قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْفَارِسِيُّ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِقَوَاعِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ
وَمِنْهُ: إِطْلَاقُ الْخَبَرِ وَإِرَادَةُ النَّهْيِ كقوله: {لا تعبدون إلا الله} وَمَعْنَاهُ: لَا تَعْبُدُوا
وَقَوْلِهِ: {لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ ولا تخرجون أنفسكم} أَيْ: لَا تَسْفِكُوا وَلَا تَخْرِجُوا
وَقَوْلِهِ: {وَمَا تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} أَيْ: وَلَا تُنْفِقُوا
الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: إِطْلَاقُ الْأَمْرِ وَإِرَادَةُ التَّهْدِيدِ وَالتَّلْوِينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي السِّتَّةَ عَشَرَ وَمَا زِيدَ عَلَيْهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَجَازِ وَلَمْ يَذْكُرُوهُ هُنَا فِي أَقْسَامِهِ
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=40921
- الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: إِضَافَةُ الْفِعْلِ إِلَى مَا لَيْسَ بِفَاعِلٍ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ
إِمَّا عَلَى التَّشْبِيهِ كَقَوْلِهِ تعالى: {جدارا يريد أن ينقض} فَإِنَّهُ شَبَّهَ مَيْلَهُ لِلْوُقُوعِ بِشَبَهِ الْمُرِيدِ لَهُ
وَإِمَّا لِأَنَّهُ وَقَعَ فِيهِ ذَلِكَ الْفِعْلُ كَقَوْلِهِ تعالى: {الم. غلبت الروم} فَالْغَلَبَةُ وَاقِعَةٌ بِهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ ثُمَّ قَالَ: {وهم من بعد غلبهم سيغلبون} فَأَضَافَ الْغَلَبَ إِلَيْهِمْ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَلَبَ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِمْ فَهُوَ مُتَّصِلٌ بِهِمْ لوقوعه بهم
ومثله: {وآتى المال على حبه} {ويطعمون الطعام على حبه} فَالْحُبُّ فِي الظَّاهِرِ مُضَافٌ إِلَى الطَّعَامِ وَالْمَالِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لِصَاحِبِهِمَا
وَمِثْلُهُ: {وَلِمَنْ خَافَ مقام ربه جنتان} {ذلك لمن خاف مقامي} أَيْ: مَقَامَهُ بَيْنَ يَدَيَّ
وَإِمَّا لِوُقُوعِهِ فِيهِ كقوله تعالى: {يوما يجعل الولدان شيبا}
وَإِمَّا لِأَنَّهُ سَبَبُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا} {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم} {ينزع عنهما لباسهما} {وأحلوا قومهم دار البوار} كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَمْثِلَةِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ
وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ النَّزْعَ وَالْإِحْلَالَ يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ فِعْلِ مَا أَوْجَبَهُمَا فَالْمَجَازُ إِفْرَادِيٌّ لَا إِسْنَادِيٌّ
وقوله تعالى: {وما يجعل الولدان شيبا} أي: يجعل هو له فَهُوَ مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ
- http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=40922
- الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ إِطْلَاقُ الْفِعْلِ وَالْمُرَادُ مُقَارَبَتُهُ وَمُشَارَفَتُهُ لَا حَقِيقَتُهُ
كَقَوْلِهِ تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن} أَيْ: قَارَبْنَ بُلُوغَ الْأَجَلِ أَيِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ لَا يَكُونُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَيَكُونُ بُلُوغُ الْأَجَلِ تَمَامُهُ
كقوله تعالى: {فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن} أي: أتمن الْعِدَّةَ وَأَرَدْنَ مُرَاجَعَةَ الْأَزْوَاجِ وَلَوْ كَانَتْ مُقَارَبَتُهُ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ حُكْمٌ فِي إِزَالَةِ الرَّجْعَةِ لِأَنَّهَا بِيَدِ الزَّوْجِ وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ غَيْرُ رَجْعِيٍّ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ أَيْضًا عَلَيْهَا حُكْمٌ قَبْلَ تَمَامِ الْعِدَّةِ وَلَا تُسَمَّى عَاضِلًا حَتَّى يَمْنَعَهَا تَمَامُ الْعِدَّةِ مِنَ الْمُرَاجَعَةِ
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تعالى: {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون} الْمَعْنَى: قَارَبَ وَبِهِ يَنْدَفِعُ السُّؤَالُ الْمَشْهُورُ فِيهَا إِنَّ عِنْدَ مَجِيءِ الْأَجَلِ لَا يُتَصَوَّرُ تَقْدِيمٌ وَلَا تَأْخِيرٌ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حضر أحدكم الموت} أَيْ: قَارَبَ حُضُورُ الْمَوْتِ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حتى يروا العذاب الأليم. فيأتيهم بغتة} أَيْ: حَتَّى يُشَارِفُوا الرُّؤْيَةَ وَيُقَارِبُوهَا
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُحْمَلَ الرُّؤْيَةُ عَلَى حَقِيقَتِهَا وَذَلِكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ: يَرَوْنَهُ فَلَا يَظُنُّونَهُ عَذَابًا {وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ} وَلَا يَظُنُّونَهُ وَاقِعًا بِهِمْ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ أَخْذُهُ لَهُمْ بَغْتَةً بَعْدَ رُؤْيَتِهِ
وَمِنْ دَقِيقِ هَذَا النوع قوله تعالى: {ونادى نوح ربه} الْمُرَادُ: قَارَبَ النِّدَاءَ لَا أَوْقَعَ النِّدَاءِ لِدُخُولِ الْفَاءِ فِي فَقَالَ فَإِنَّهُ لَوْ وَقَعَ النِّدَاءُ لَسَقَطَتْ وَكَانَ مَا ذُكِرَ
تَفْسِيرًا لِلنِّدَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا ربه قال} وَقَوْلِهِ: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا. قَالَ رب} لما فسر النداء سقطت الفاء
- وذكر النجاة أَنَّ هَذِهِ الْفَاءَ تَفْسِيرِيَّةٌ لِأَنَّهَا عَطَفَتْ مُفَسَّرًا على مجمل كقوله: توضأ فغسل وجهه وفائدته ذَلِكَ أَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ أَرَادَ ذَلِكَ فَرُدَّ الْقَصْدُ إِلَيْهِ وَلَمْ يَقَعْ لَا عَنْ قَصْدٍ
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ} أَيْ: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ إِنْ شَارَفُوا أَنْ يَتْرُكُوا وَإِنَّمَا أُوِّلَ التَّرْكُ بِمُشَارَفَةِ التَّرْكِ لِأَنَّ الْخِطَابَ لِلْأَوْصِيَاءِ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِمْ قَبْلَ التَّرْكِ لِأَنَّهُمْ بعد أَمْوَاتٌ
وَقَرِيبٌ مِنْهُ إِطْلَاقُ الْفِعْلِ وَإِرَادَةُ إِرَادَتِهِ كقوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ} أَيْ: إِذَا أَرَدْتَ
وَقَوْلِهِ: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا} أَيْ: إِذَا أَرَدْتُمْ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ سَبَبُ الْقِيَامِ
{إذا قضى أمرا} أي: أراد
{وإن حكمت فاحكم بينهم} أَيْ: أَرَدْتَ الْحُكْمَ
وَمِثْلُهُ: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس}
{إذا ناجيتم الرسول} أي أردتم مناجاته
{إذا طلقتم النساء}
وقوله: {من يهد الله فهو المهتدي} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ هِدَايَتَهُ وَلَقَدْ أَحْسَنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِئَلَّا يَتَّحِدَ الشرط والجزاء
وقوله: {وإذا قلتم فاعدلوا} أي: أردتم القول
{والذين إذا أنفقوا} أي: أَرَادُوا الْإِنْفَاقَ