- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا} لِأَنَّ الْإِهْلَاكَ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ مَجِيءِ الْبَأْسِ وَإِنَّمَا خَصَّ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ -أَعْنِي الْبَيَاتَ وَالْقَيْلُولَةَ- لِأَنَّهَا وَقْتُ الْغَفْلَةِ وَالدَّعَةِ فَيَكُونُ نُزُولُ الْعَذَابِ فِيهِمَا أَشَدُّ وَأَفْظَعُ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا آمَنَتْ قبلهم من قرية أهلكناها} أي: أردنا إهلاكها
{فانتقمنا منهم فأغرقناهم} أَيْ: فَأَرَدْنَا الِانْتِقَامَ مِنْهُمْ وَحِكْمَتُهُ أَنَّا إِذَا أَرَدْنَا أَمْرًا نُقَدِّرُ فِيهِ إِرَادَتَنَا وَإِنْ كَانَ خَارِقًا لِلْعَادَةِ
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {قالوا يا نوح قد جادلتنا} أَيْ: أَرَدْتَ جِدَالَنَا وَشَرَعْتَ فِيهِ وَكَانَ الْمُوجِبُ لِهَذَا التَّقْدِيرِ خَوْفَ التَّكْرَارِ لِأَنَّ جَادَلْتَ فَاعَلْتَ وَهُوَ يُعْطِي التَّكْرَارَ أَوْ أَنَّ الْمَعْنَى لَمْ تُرِدِ مِنَّا غَيْرَ الْجِدَالِ لَهُ لَا النَّصِيحَةَ
قُلْتُ: وَإِنَّمَا عَبَّرُوا عَنْ إِرَادَةِ الْفِعْلِ بِالْفِعْلِ لِأَنَّ الْفِعْلَ يُوجَدُ بِقُدْرَةِ الْفَاعِلِ وَإِرَادَتِهِ وَقَصْدِهِ إِلَيْهِ كَمَا عُبِّرَ بِالْفِعْلِ مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْفِعْلِ فِي قَوْلِهِمْ الْإِنْسَانُ لَا يَطِيرُ وَالْأَعْمَى
لا يبصر أي لا يَقْدِرُ عَلَى الطَّيَرَانِ وَالْإِبْصَارِ وَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَى ذَلِكَ دُونَ الْحَمْلِ عَلَى ظَاهِرِهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَالْحَمْلُ عَلَى الظَّاهِرِ يُوجِبُ أَنَّ مَنْ جَلَسَ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يَلْزَمُهُ وُضُوءٌ آخَرَ فَلَا يَزَالُ مَشْغُولًا بِالْوُضُوءِ وَلَا يَتَفَرَّغُ لِلصَّلَاةِ وَفَسَادُهُ بَيِّنٌ
الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: إِطْلَاقُ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ لِلتَّلَبُّسِ بِهِ والمراد دوامه
كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا} هَكَذَا أَجَابَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَصْلُ السُّؤَالِ غَيْرُ وَارِدٍ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَاضِي وَلَا بِالْحَالِ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَقْبَلِ الْمَعْدُومِ حَالَةَ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ فَلَيْسَ ذَلِكَ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ بَلْ تَحْصِيلًا لِلْمَعْدُومِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُخَاطَبُ حَالَةَ الْخِطَابِ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ أَمْ لَا لِأَنَّ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْخِطَابِ مِثْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ لَا نَفْسُ الْمَأْمُورِ بِهِ والحاصل أن الكل مأمور بالإنشاء فالمؤمن ينشئ مَا سَبَقَ لَهُ أَمْثَالُهُ وَالْكَافِرُ يُنْشِئُ مَا لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ أَمْثَالُهُ
الأحد، 9 يونيو 2013
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا آمَنَتْ قبلهم من قرية أهلكناها}
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق