سلسلة قراءات فى تاريخ الاسلام والمسلمين- عيسى بن مريم عليه السلام
عيسى بن مريم عليه السلام
ذكر القرآن الكريم عيسى باسمه عيسى ولقبه المسيح في ثلاث عشرة سورة وهي: مريم والأنعام والشورى والزخرف والمؤمنون والبقرة وآل عمران والأحزاب والنساء والحديد والصف والمائدة والتوبة، وخمس منها مكية وثمان مدنية، وهو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والسور التي تعرضت لذكره ذكرت أمه مريم، وانفردت دونه بالذكر في سورة التحريم.
كما انفرد عيسى بالذكر دونها في الأنعام والنساء؛ ولأن مولد عيسى كان الآية الكبرى في حياته، وحوله قام الجدل كله وعنه تفرعت كل قضايا النصرانية، فقد عرضه القرآن بتفصيل كامل، وما ذكره القرآن عنه منه ما حصل في هذا العالم، ومنه ما سيحصل في يوم الدين، ومريم أم عيسى ذكرت في القرآن باسمها العَلَمي، وبدونه في سور مريم والزخرف والأنبياء والمؤمنون وآل عمران والنساء والتحريم، وكانت ملائكة الله تأتيها وتخبرها باصطفاء الله وإجابته إياها وتطهيرها، وتحثها على الاجتهاد في العبادة والقنوت، وقد نشأت نشأة طهر وعفاف مكلوءة بعناية الله محروسة برعايته.
ولادة عيسى:
وتأتي ولادة عيسى من غير أب آيةً في الدلالة على قدرة الله سبحانه بعد خلق آدم ، وهو أمر لا نظير له في تاريخ البشرية، التي لم تشهد خلق نفسها من قبل عندما خلق الله عزوجل آدم من غير أب ولا أم. وخلقُ عيسى من غير أب أمر مخالف للسنة التي جرت وتجري منذ خلق الله الإنسان على ظهر هذه الأرض، وقد خيل للبشرية أن هذه هي الطريقة الوحيدة؛ فضرب الله عزوجل للبشر مثلًا بعيسى؛ ليعلموا أن قدرة اللهعزوجل هي خالقة النواميس وليست حبيسة تلك النواميس التي أوجدتها.
وأول حديث للقرآن عن عيسى وولادته جاء في سورة مريم، ومريم أم عيسى قد وهبتها أمها وهي في بطنها لخدمة المعبد، ولا يعرف عنها أحد إلا الطهر والعفة، ولا يعرف من أمرها إلا الطيبة والصلاح، وذات يوم خلت بنفسها في شأن من شئونها ففوجئت برجل فانتفضت مذعورة، ولجأت إلى الله تستنصره وتستجير به، وتستثير مشاعر التقوى في نفسه، فإذا به يقول لها: إنه رسول من الله ليهبها غلامًا غير مدنس المولد ولا السيرة، فسألته في صراحة: كيف يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ولم أك بغيًّا؟!
وهذه هي الطريقة الوحيدة المتصورة لمجيء الولد كما جرت بذلك عادة البشر، غير أن قدرة الله عزوجل تقول للشيء: كن فيكون، ومجيء الولد أمر هين على الله تعالى؛ ليكون الغلام رحمة للناس ولبني إسرائيل، وكان ذلك أمرًا مقضيًّا، ومضت مدة الحمل وجاءت لحظة المخاض، وانفردت مريم إلى جذع نخلة تواجه آلام الجسد والنفس والوحدة، وعدم التجربة، كما تدل على ذلك كلماتها التي نطقت بها، وولد طفل وناداها ليطمئن قلبها ويصلها بربها، ويدلها على طعامها وشرابها، ويلقنها حجتها وبرهانها، وكانت ولادته آية وأمارة للناس على أنه هداية لهم بقدوته الحسنة وبمثله الأعلى، كما كان رحمة من ربه لهم إن اتبعوه وآمنوا بما أتى به.
وجاءت مريم إلى قومها تحمل غلامًا ، فقال لهم الطفل الوليد: إنه نبي يؤتيه الله الإنجيل وهو مبارك أوصاه الله بالصلاة والزكاة مدة حياته، ويبر والدته، وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيًّا.
وكانت ولادته ومعجزاته لإبطال أن المخلوقات نشأت نشوء العلة عن المعلول، كما كان يُعتقد وإثبات أن الله تعالى خلق الكون بإرادته، وكانت لعيسى آيات ظاهرة، ودلائل باهرة من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله، كما أن نفس وجوده وفطرته آية كامنة على صدقه. وذلك حصوله من غير نطفة سابقة، ونطقه البين من غير تعليم سالف، والبينات الدالات على رسالته أمور حسية واضحة تُرى بالعين.
لقد انخرمت بولادة عيسى القاعدة المعروفة المألوفة؛ ليذكر الناس النشأة الأولى وإن لم تكن هذه مثلها تمامًا، لقد تلقت مريم النفخ التي تنشئ الحياة ابتداءً، فنشأت فيها الحياة بإرادة الله المطلقة، وليس خلق الإنسان بأعجب من خلق السموات والأرض وما فيهما، وإن كان هو أمرًا عجيبًا أوجدته قدرة الله سبحانه، كما أوجدت لمريم ما سكن روحها من الرطب والماء الجاري في تلك الهضبة، التي كانت عليها لتأكل وتشرب وتقر عينًا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق